بعد ثلاث سنوات من الانقطاع عن الدراسة

صاروخ إسرائيلي يحرم الطفلة "أمل المغير" فرحة العودة إلى المدرسة

صاروخ إسرائيلي يحرم الطفلة
تقارير وحوارات

غزة/ خالد داود:
قبل ثلاثة أيام فقط من بدء العام الدراسي الجديد، كانت الطفلة أمل المغير (8 أعوام) تجهز حقيبتها المدرسية وقرطاسيتها، وتحتضنهما بكل فرح، منتظرة مجيء اليوم الأول من العام الدراسي بشغف، لتستأنف حلمها بإكمال تعليمها بعد ثلاث سنوات من الغياب عن مقعدها الدراسي، جراء الحرب التي يشهدها قطاع غزة.
إلا أن صاروخًا إسرائيليًا سبق ذلك اليوم، ليخطف تلك الطفلة ذات الوجه البريء والحلم البسيط، ويحرمها من ارتداء حقيبتها والإمساك بقلمها الذي كانت تنتظر أن تخط به أولى الحروف والكلمات، في بداية جديدة انتظرتها طويلًا بعد الانقطاع عن الدراسة لسنوات بفعل الحرب.
"ماتت جعانة"!
وعن اللحظات الأخيرة قبل استشهاد الطفلة أمل، تقول والدتها سحر المغير (41 عامًا) لـ"الاستقلال"، إنها خلال عودتها مع طفلتها من حفل زفاف إلى خيمتها، وما إن شعرت أمل بالجوع حتى استأذنت والدها قائلة: "أريد أن أشتري شيئًا آكله"، فأجابها بحنان: "روحي اشتري اللي بدك إياه"، لتخرج ولا تعود إلا شهيدة.
توجهت الطفلة نحو كشك لبيع الفلافل، ورفضت عرض إحدى شقيقاتها بمرافقتها، مصرة على الذهاب وحدها، لكن طائرات الاحتلال الإسرائيلي لم تمهلها كثيرًا؛ إذ شنت غارة مباغتة على المكان. حاولت أمل الفرار من القذيفة الأولى، قبل أن يباغتها صاروخ ثانٍ أصابها مباشرة، لتستشهد قبل أن تتناول طعامها، معبرة والدتها عن ذلك بقولها: "ماتت جعانة!".
"أول صاروخ شردت منه، والثاني نزل على صدرها"، تقول الأم بنبرة يمزقها القهر، قبل أن تتساءل بحرقة: "شو ذنب الأطفال هدول؟ هادي الطفلة شو عملت؟ راحت تشتري فلافل... وبدل ما ترجع بالأكل، رجعولي إياها جثة".
حلم لم يكتمل!
وتشير والدة أمل إلى أنه قبل ساعات من استشهادها، كانت تتحدث عن عودتها إلى المدرسة وفرحتها ببدء العام الدراسي الجديد، وتتجهز له، بعد فترة من الانقطاع بسبب الحرب.
وتضيف: كانت "أمل" شديدة التعلق بالتعليم، وتستعد للعودة إلى المدرسة بعد أن حالت الحرب والنزوح دون انتظام حياتها الدراسية، ولم يكن حلمها يتوقف عند حدود الصفوف الدراسية؛ كانت تريد أن تكبر وتصبح طبيبة.
وعن تفوقها وحبها للتعلم، تقول والدتها: "كانت متفوقة على أقرانها بفطرتها؛ فرغم حرمانها من مرحلة الروضة بسبب ظروف الحرب، فإنها أتقنت القراءة والكتابة وحل واجباتها بمفردها، وكان طموحها عاليًا. كانت تقولي: يما، بدي أطلع دكتورة عشان أعالج الأطفال المصابين بالحرب".
وتردف سحر بصوت مكسور: "تمنيت أن أرى طفلتي تكبر وتتعلم وتتفوق، وأراها كما كانت تحلم، وأن تصبح طبيبة وتلبس الثوب الأبيض، لكن الاحتلال المجرم ألبسها الكفن قبل أن تكبر وتحقق حلمها!".
حقيبة بدون "أمل"
وتقول والدة أمل: "رغم مرارة النزوح والمعيشة القاسية داخل الخيام، إلا أني حاولت أن أمنح أطفالي ولو جزءًا بسيطًا من طفولتهم، فكانوا يلعبون داخل الخيمة، وحولت جزءًا منها إلى مساحة للتعلم والقراءة، ووعدتهم بأن أضع لهم بداخلها طاولة وكرسيًا، حتى يتمكنوا من أداء واجباتهم المدرسية عليها".
وتلفت إلى أنها قبل استشهاد أمل اشترت لها القرطاسية والحقيبة استعدادًا للعام الدراسي الجديد، وكانت فرحة بهما جدًا، وتنتظر اليوم الأول من العام الدراسي لترتدي تلك الحقيبة وتذهب إلى المدرسة التي كانت تنتظرها بشغف، مشيرة، والحسرة تملأ عينيها، إلى أن الحقيبة بقيت ولكن بدون "أمل"!
وتتابع الوالدة: "طلبت مني أمل أن أشتري لها زيًا مدرسيًا جديدًا، وعدتها وقلت لها: اصبري لأول الشهر، وأجيب لك كل اللي بدك إياه".
وتوضح سحر المغير، والدة أمل، أن المدارس الحالية في قطاع غزة معظمها عبارة عن خيام تعليمية، جراء تدمير الاحتلال لمعظم المدارس خلال الحرب، إلا أن الطلاب يصرون على مواصلة تعليمهم داخل تلك الخيام التي تفتقر إلى البيئة التعليمية المناسبة والمرافق التعليمية.
وتؤكد المغير أنه لم يعد هناك مكان آمن للأطفال في غزة، ففي أي لحظة قد يتم استهدافهم وقتلهم من قبل الاحتلال، سواء كانوا يلعبون في الشارع أو يقيمون داخل الخيام، فطائرات الاحتلال لا تأبه لطفل أو شيخ أو امرأة، فهم يرون كل شيء في غزة هدفًا للقتل والإبادة.
إبادة جيل كامل
ووفق معطيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة كشف عن استهداف ممنهج لمستقبل جيل كامل؛ فقد بلغ عدد الشهداء الفلسطينيين إجمالًا 73 ألفًا و289 شهيدًا، بينهم أكثر من 21 ألفًا و283 طفلًا، أي ما يشكل نحو 30% من إجمالي الضحايا.
ووفق المعطيات، استشهد ما يزيد على 450 رضيعًا، و1029 طفلًا لم يتموا عامهم الأول، إضافة إلى 5031 طفلًا دون سن الخامسة، مما يعكس إبادة حقيقية لجيل لم تبدأ حياته بعد.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2023، بدأت إسرائيل، بدعم أمريكي، حرب إبادة جماعية لا تزال مستمرة، وخلّفت دمارًا هائلًا طال 90% من البنى التحتية المدنية في غزة، بتكلفة إعادة إعمار قدّرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.
ورغم اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، فقد قتلت إسرائيل أكثر من 1350 فلسطينيًا وأصابت 4500 آخرين، بحسب وزارة الصحة في القطاع.
وأوضح الجهاز المركزي للإحصاء أن أساليب القتل لم تقتصر على الصواريخ فحسب، بل جاء تحالف الحصار والجوع والبرد ليخطف أرواح الأطفال؛ إذ توفي 157 طفلًا بسبب الجوع، في حين قضى 25 آخرون نتيجة الصقيع في خيام النازحين.
وبشأن آثار الحرب الجسدية المدمرة، أوضحت المعطيات أن 10 آلاف و500 طفل يعانون إصابات غيرت مجرى حياتهم، وأكثر من 1000 حالة بتر للأطراف، وسط انهيار كامل للمنظومة الصحية ونقص حاد في الأجهزة المساعدة، في حين يواجه نحو 4 آلاف طفل خطر الموت ما لم يتم تأمين إجلاء طبي عاجل لهم.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق