وكالات/الاستقلال:
بعد أكثر من ثلاثة أعوام على توقف النشاط الكروي، عادت كرة القدم الفلسطينية إلى الملاعب من بوابة "كأس الألف شهيد"، في بطولة حملت اسم شهداء الحركة الرياضية، وجمعت أندية من الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة والشتات في لبنان، في محاولة لاستعادة النشاط الرياضي وإعادة الحياة إلى الملاعب التي غابت عنها المنافسات خلال سنوات الحرب.
وأطلق الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم البطولة باعتبارها بطولة تنشيطية تمهّد لاستئناف النشاط الكروي، وقرر إشراك أندية مختلف الدرجات المعتمدة فيها، فيما أُجريت القرعة بشكل متزامن بين المحافظات الشمالية والجنوبية والشتات. وأعلن الاتحاد عند إجراء القرعة مشاركة 244 ناديًا، مع تقسيم الفرق إلى مجموعات تضم كل منها أربعة أو خمسة أندية، على أن يتأهل صاحبا المركزين الأول والثاني إلى الدور التالي.
واختار الاتحاد اسم "كأس الألف شهيد" تخليدًا لذكرى 1014 شهيدًا من أبناء الحركة الشبابية والرياضية والكشفية، ارتقوا خلال الحرب، وهي الأسماء التي خُلدت أيضًا في نصب تذكاري أقامه الاتحاد أمام مقره في بلدة الرام، بالتزامن مع انطلاق البطولة.
ويحمل الرقم 1014 خلفية مؤلمة في قصة البطولة؛ فهو لا يشير فقط إلى نتيجة أو رقم رياضي، وإنما إلى لاعبين ومدربين وحكام وإداريين ومنتسبين للحركة الرياضية فقدوا حياتهم خلال الحرب، بحسب المعطيات التي أعلنها الاتحاد والمسؤولون الرياضيون الفلسطينيون.
غزة.. كرة القدم تعود وسط الدمار
وفي قطاع غزة، انطلقت منافسات المحافظات الجنوبية يوم 3 أكتوبر/تشرين الأول بمشاركة 50 ناديًا، قسمت جغرافيًا إلى فرعين: غزة والشمال بـ24 ناديًا، والوسطى والجنوب بـ26 ناديًا، وتقام المباريات على أربعة ملاعب هي ملعب نادي فلسطين في مدينة غزة، وملعب فلسطين في النصيرات، وملعب نادي خدمات دير البلح، وملعب نادي اتحاد دير البلح.
ويجري هذا النشاط في ظروف استثنائية فرضها الدمار الواسع الذي أصاب المنشآت الرياضية في القطاع. وخلال افتتاح البطولة في غزة، أُقيمت مباراة خدمات رفح وشباب رفح على ملعب دير البلح الخماسي، بعدما تعرضت منشآت رياضية عدة في قطاع غزة للتدمير والتخريب، فيما استخدمت قوات الاحتلال بعضها لأغراض عسكرية، وحُولت منشآت أخرى إلى مراكز لإيواء النازحين.
وفي الفرع المخصص لغزة والشمال، تضم المجموعات أندية معروفة مثل اتحاد الشجاعية، وغزة الرياضي، وأهلي بيت حانون، وحطين، وشباب جباليا، وفلسطين، والصداقة، ونماء، والأهلي، وبيت لاهيا، والهلال، وخدمات جباليا، وشباب الزيتون، والشاطئ وغيرها. أما فرع الوسطى والجنوب فيضم اتحاد وخدمات خان يونس، وشباب خان يونس، والاستقلال، والترابط، وخدمات رفح، وشباب رفح، وخدمات النصيرات، وشباب الزوايدة، وأهلي النصيرات وغيرها.
وخلال اليومين الأول والثاني من منافسات غزة، عادت المباريات بأجواء تنافسية بعد سنوات التوقف؛ فشهدت الجولة الأولى خمسة انتصارات وتعادلًا، فيما شهدت الجولة الثانية ثلاثة انتصارات وثلاثة تعادلات، بينها نتائج لافتة مثل فوز شباب الزيتون على خدمات جباليا 4-2، وفوز الترابط على الأمل 5-1، وخدمات رفح على شباب المغازي 3-1.
ولا تأتي عودة المباريات في غزة في ظروف طبيعية؛ فالمنافسات تُقام في وقت لا يزال فيه القطاع يشهد قصفًا وإطلاق نار وعمليات نسف، ما يجعل مجرد عودة اللاعبين إلى الملاعب جزءًا من المشهد الأوسع لاستعادة الحياة الرياضية بعد الحرب.
القدس.. البطولة تبدأ من الرام
وفي المحافظات الشمالية، انطلقت البطولة في الرابع من سبتمبر/أيلول بمباراة جمعت جبل المكبر وشباب الخليل على استاد الشهيد فيصل الحسيني في بلدة الرام شمال القدس، وانتهت بفوز جبل المكبر 3-2.
واختيرت المباراة لتكون من بين لقاءات الافتتاح الرسمية للبطولة، بالتزامن مع انطلاق منافسات غزة والشتات، في خطوة أراد الاتحاد من خلالها إظهار وحدة المشهد الرياضي الفلسطيني رغم التباعد الجغرافي بين المناطق المختلفة.
وتشارك أندية القدس ضمن منظومة المحافظات الشمالية، إلى جانب أندية الضفة بمختلف درجاتها، ما يجعل البطولة مساحة تجمع الأندية الجماهيرية والمعروفة إلى جانب أندية الدرجات الأدنى في منافسة واحدة.
لبنان.. كرة القدم الفلسطينية في المخيمات
ولا تتوقف البطولة عند حدود فلسطين؛ إذ يشارك فيها فرع الشتات في لبنان، الذي يضم أندية فلسطينية تنشط في مخيمات اللاجئين ومناطق التجمعات الفلسطينية.
وانطلقت منافسات لبنان بالتزامن مع فلسطين من ملعب الشهيد أبو جهاد الوزير في مخيم عين الحلوة، حيث جمعت المباراة الافتتاحية الأنصار والنهضة، وانتهت بفوز الأنصار بهدفين دون مقابل.
وتواصلت المنافسات لاحقًا في مناطق مختلفة، بينها عين الحلوة وصور وبرج الشمالي ونهر البارد، بمشاركة أندية مثل النهضة والأنصار وعكا الرشيدية والإخاء واليرموك والأجيال وغيرها، ما يعكس اتساع الحضور الفلسطيني الرياضي في المخيمات اللبنانية.
وتأخذ مشاركة لبنان أهمية خاصة في البطولة، لأنها تجعل الكأس تتجاوز إطار المنافسة المحلية لتجمع أندية من الوطن والشتات، وتبقي النشاط الرياضي الفلسطيني متصلًا بين الداخل والمخيمات.
أكثر من كرة قدم
وفي فلسفة البطولة، لا تقتصر الفكرة على استئناف المباريات بعد غياب طويل؛ فالعودة نفسها تحمل رسالة تتعلق بإعادة بناء الحركة الرياضية التي تعرضت لضربات قاسية خلال الحرب.
وقد أعلن الاتحاد عند إطلاق البطولة أن الهدف هو استئناف النشاط الرياضي ومنح الفلسطينيين مساحة من الأمل والفرح، مع تخليد ذكرى الشهداء الرياضيين وحفظ أسمائهم داخل الملاعب وفي الذاكرة الرياضية الفلسطينية.
وتبدو هذه الفكرة أكثر وضوحًا في غزة، حيث تحولت بعض الملاعب خلال الحرب إلى أماكن للإيواء أو تعرضت للتدمير، فيما عاد اللاعبون إلى المنافسة على مساحات محدودة من الملاعب المتبقية.
ومع ذلك، استعاد اللاعبون صافرة البداية والجمهور المدرجات، وبدأت النتائج تتشكل من جديد، في بطولة جمعت أندية الدرجات المختلفة بدل حصر المنافسة في مستوى واحد.
من ذكرى الشهداء إلى استعادة الملاعب
وبينما تحمل البطولة اسم "كأس الألف شهيد" وفاءً لـ1014 رياضيًا، فإنها تحاول في الوقت ذاته أن تكون بداية فعلية لعودة كرة القدم الفلسطينية إلى مسارها الطبيعي.
ففي غزة، يلعب العشرات من الأندية في ملاعب محدودة وتحت ظروف صعبة؛ وفي القدس والضفة عادت المنافسات بعد سنوات من التوقف؛ وفي مخيمات لبنان يستكمل أبناء الشتات البطولة على الملاعب التي تحتضن الكرة الفلسطينية منذ سنوات.
وهكذا، تحولت البطولة إلى مشهد يجمع الذكرى والمنافسة والاستمرار؛ فالأسماء التي غابت عن الملاعب حاضرة في اسم الكأس والنصب التذكاري، بينما يحاول جيل جديد من اللاعبين أن يعيد الكرة الفلسطينية إلى المستطيل الأخضر، رغم ما تركته الحرب من دمار وآثار ثقيلة على الرياضة والمنشآت واللاعبين.


التعليقات : 0