بكيس نايلون وفرشة على الأرض.. هكذا عاد أطفال غزة إلى المدرسة

بكيس نايلون وفرشة على الأرض.. هكذا عاد أطفال غزة إلى المدرسة
تقارير وحوارات

غزة/ دعاء الحطاب:
بخطوات متسارعة وضحكات عالية، كان عمر طه (10 أعوام) يمسك بيد والدته ويمضي نحو مدرسته في مخيم النصيرات، سعيدًا بأن الطريق الذي انقطع عنه لسنوات عاد يقوده من جديد إلى الصف، وكأن سنوات الانقطاع الطويلة لم تستطع أن تنتزع منه فرحة الوصول إلى المدرسة.
كان عمر سعيداً بعودته إلى مقعد الدراسة، لكن عودته هذه المرة لم تكن تشبه ما اعتاده الاطفال قبل الحرب، فلا حقيبة مدرسية على ظهره، ولا زي جديد يرتديه في أول أيام العام، كان يرتدي ملابس البيت «ترنقاً»، ويضع دفتره وقلمه وزجاجة مياه صغيرة داخل كيس من النايلون، بعدما عجزت أسرته عن شراء الحقيبة والملابس المدرسية الجديدة.
وجاءت العودة إلى التعليم الوجاهي في غزة بعد سنوات من الانقطاع، لكن مشهد المدرسة لم يعد مكتملًا كما كان قبل الحرب، أطفال يدخلون الصفوف بملابسهم العادية، يحمل بعضهم دفاتره وأقلامه داخل أكياس بدل الحقائب، ويجلسون على فرشات وبطانيات بدل المقاعد، فيما تحولت بعض الصفوف إلى مساحات محاطة بالشوادر.
بصوت بريء، يقول عمر لـ"الاستقلال":" بابا ما قدر يشتري لنا شنط وملابس جديدة لأنهم غالين، اشترى لنا بس الدفاتر والأقلام، وحكى لما ربنا يرزقه بشتري لنا شنط".
ومع ذلك، لم يخفِ الطفل فرحته بالعودة إلى المدرسة، قائلا: "مبسوط كتير إننا صرنا نروح على المدرسة عشان نتعلم، لكن المدرسة مش زي زمان".
فالمكان الذي عاد إليه "عمر" لا يشبه المدرسة التي عرفها قبل الحرب، فالصفوف عبارة عن شوادر، والمقاعد التي اعتاد الأطفال الجلوس عليها غابت، وحلّت محلها فرشات وبطانيات افترشوها لتلقي دروسهم. وعندما يحين وقت الكتابة، يضع "عمر" دفتره على الأرض و ينحني فوقه، في محاولة للكتابة في غياب المقعد. ويقول: "لما بدنا نكتب بنحط الدفتر على الأرض، وظهري بكون محني وبصير يوجعنا.
عودة بأقل الإمكانات
وتصف والدة عمر العودة إلى المدرسة هذا العام بأنها "ليست عودة عادية"، موضحة أن أطفالها كانوا في الظروف الطبيعية ينتظرون بداية العام الدراسي بفرحة مختلفة، ويستعدون له بشراء الملابس والحقائب الجديدة، إلى جانب الدفاتر و الأقلام والقرطاسية التي يحتاجونها خلال العام. وتقول لـ"الاستقلال" :" إن هذا المشهد غاب هذا العام، بعدما فرضت الحرب ظروفاً اقتصادية صعبة على الأسر، مضيفة: "ذهبوا إلى المدارس من دون زي رسمي، ومع كل طفل دفتر وقلم فقط، أما الحقائب فأصبحت أكياساً من النايلون أو القماش".
ولا تتوقف المفارقة عند مستلزمات الدراسة، بحسب الأم، إذ إن الأطفال لم يجدوا ببعض المدارس مقاعد وصفوفًا بالشكل الذي اعتادوه قبل الحرب، موضحة: "حتى الصفوف والمقاعد لم تعد كما كانت، فالصفوف عبارة عن شوادر، والمقاعد عبارة عن فرشات وبطانيا.
سنوات من الانتظار
ولم تكن عائلة عمر وحدها أمام هذه التحديات، إذ يحاول آباء آخرون تأمين عودة أطفالهم إلى التعليم بما يتوفر لديهم، حتى وإن اضطروا إلى الاستدانة لتوفير المستلزمات الأساسية.
المواطن أبو يونس دامو (40 عام)، وهو أب لأربعة أطفال، اوضح أن أطفاله عادوا إلى التعليم بإمكانات محدودة، حتى إن بعض مستلزماتهم جرى تدبيرها بطرق أثقلت كاهله، بعدما اضطر إلى الاستدانة لتوفير الدفاتر وبعض الاحتياجات الأساسية، آملا ألا يحرم أطفاله مرة أخرى من حقهم في التعليم.
ويؤكد أن ما يزيد قسوة المشهد أن أطفاله حُرموا من الدراسة لنحو ثلاث سنوات، ولذلك كان يأمل أن تكون عودتهم إلى المدرسة بداية مختلفة، تحمل شيئًا من الفرح والاستقرار الذي افتقدوه طوال هذه السنوات.
ويقول: "اليوم أنا عاجز تمامًا عن توفير أبسط تفاصيل العودة المدرسية التي اعتاد الأطفال انتظارها، من حقيبة وقرطاسية وملابس مدرسية".
ويضيف أن أطفاله يذهبون إلى المدرسة بما توفر، باستخدام الأكياس بدل الحقائب المدرسية، في مشهد يعكس حجم الضغوط التي تعيشها الأسر.
ويكشف أن استئناف التعليم لا يعني انتهاء المعاناة، بل يفتح أمام العائلات قائمة جديدة من الاحتياجات التي يصعب توفيرها.
ويناشد دامو الجهات المعنية والمؤسسات الداعمة الالتفات إلى احتياجات الأطفال التعليمية، وتوفير الحقائب والدفاتر والأقلام والقرطاسية لهم، حتى يتمكنوا من العودة إلى مقاعد الدراسة بكرامة، بعد سنوات طويلة من الانقطاع والحرمان.

التعليقات : 0

إضافة تعليق