غزة/ آية عبد العال:
لم تعد آلام الأسنان في قطاع غزة تنتهي عند باب العيادة، فالوصول إلى العلاج بات مرتبطًا بتوافر المستلزمات وارتفاع كلفتها، وقدرة المرضى على تحمل أسعارها في ظل تراجع القدرة الشرائية للأسر.
وبين نقص مواد التخدير والحشوات ومستلزمات علاج العصب والتركيبات، وارتفاع تكاليف التشغيل والطاقة، تتقلص الخيارات المتاحة أمام المرضى، فيضطر بعضهم إلى تأجيل العلاج أو الاكتفاء بحلول مؤقتة.
وتأتي هذه الأزمة في وقت تضررت فيه عيادات ومراكز طب الأسنان خلال الحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، فيما تواجه العيادات والمختبرات صعوبات في توفير المواد وقطع غيار الأجهزة اللازمة لاستمرار خدماتها، ما يزيد من كلفة العلاج ويحد من قدرة المرضى على الحصول على الرعاية التي يحتاجون إليها.
مرضى بين العلاج والخلع
وتقول النازحة إيمان محسن، في الأربعينيات من عمرها، وهي أرملة وأم لأربعة أطفال، إنها اضطرت إلى خلع أحد أضراسها بعدما تجاوزت تكلفة علاج العصب 250 شيكلًا، موضحة أنها لم تكن ترغب في فقدان سنها، لكنها لم تستطع توفير كلفة علاجه في ظل أولويات أساسية لأسرتها.
أما محمد اللوح، 25 عامًا، فنجا من قصف منزله وخرج من تحت الركام، لكنه فقد اثنين من أسنانه الأمامية جراء القصف، ولجأ إلى طبيب الأسنان لتعويضهما، لكنه فوجئ بتكلفة تركيب أسنان بديلة تجاوزت 3 آلاف دولار.
ويقول اللوح لـ"الاستقلال":"إن فقدانه منزله ومصدر رزقه خلال الحرب جعلا توفير هذا المبلغ، حتى بالتقسيط، أمرًا بالغ الصعوبة، خاصة أنه عاطل عن العمل حاليًا".
ويضيف: "أصبحت لا أستطيع الضحك حتى لا تظهر أسناني المتكسرة، وأفكر باستمرار في كيفية تركيب أسنان بديلة، خصوصًا أنني شاب في مقتبل العمر ومقبل على الزواج، وهو ما يجعل الأمر أكثر صعوبة بالنسبة إليّ".
العلاج في مواجهة النقص
ويقول طبيب الأسنان أحمد الزين، صاحب عيادة «جوري داون تاون»، إن عيادات الأسنان تعاني نقصًا في المواد الأساسية، ولا سيما مواد علاج العصب والحشوات والتخدير، موضحًا أن غياب بعض المستلزمات قد يجعل تقديم الخدمة متعذرًا، فيما يضطر الأطباء أحيانًا إلى استخدام بدائل متاحة طبيًا لكنها أقل مواكبة للمعايير العلمية الحديثة.
ويشير الزين لـ"الاستقلال" إلى أن بعض الخدمات أصبحت صعبة أو غير متاحة، من بينها الحشوات الأمامية التجميلية وزراعة الأسنان وإعادة علاج العصب، خاصة في الحالات المعقدة التي تحتاج إلى مواد وأدوات متعددة.
ويضيف أن ارتفاع تكاليف التشغيل وتذبذب التيار الكهربائي تسببا في أعطال متكررة للأجهزة، فيما تواجه العيادات نقصًا في مستلزمات الاستخدام الواحد، ما يزيد صعوبة تقديم الخدمات وفق الإجراءات المعتادة.
ويبين أن ارتفاع أسعار المواد ينعكس مباشرة على كلفة العلاج، في وقت تراجعت فيه القدرة المادية للمرضى، ما يدفع بعضهم إلى تأجيل العلاج أو اختيار خيارات أقل كلفة.
ويلفت الزين إلى زيادة حالات خلع الأسنان بدلًا من علاجها، موضحًا أن بعض المرضى يلجؤون إلى الخلع لأنه أقل كلفة من علاج يحتاج إلى مواد وجلسات متعددة، فيما تتركز الأولوية في الحالات الطارئة على تخفيف الألم وتأجيل الإجراءات التي تتطلب مستلزمات غير متوفرة.
مختبرات تحت الضغط
ولا تقتصر أزمة المستلزمات على العيادات، بل تمتد إلى مختبرات الأسنان التي تعتمد عليها خدمات التركيبات والجسور.
وتقول فني الأسنان أروى البلبيسي "إن المختبرات تعاني نقصًا شديدًا في المواد الأساسية، خصوصًا المستخدمة في تركيبات الزيركون، مع نقص حاد في بلوكات الزيركون وارتفاع أسعارها، إلى جانب نقص مواد صب المعادن والبودرة المستخدمة في تركيبات البورسلان".
وتوضح لـ"الاستقلال" أن نقص المواد جعل تنفيذ التركيبات والجسور بمختلف أنواعها شديد الصعوبة، في وقت ارتفعت فيه أسعار المواد وقطع الغيار، بينما لا يستطيع المختبر تحميل المريض كامل الزيادة، ولا يستطيع في الوقت ذاته مواصلة العمل بالتكلفة السابقة.
وتشير البلبيسي إلى أن تعطل بعض الأجهزة يمثل مشكلة إضافية، إذ قد يتوقف جهاز كامل بسبب قطعة صغيرة يصعب الحصول عليها أو ترتفع كلفة توفيرها، ما يطيل فترة توقف العمل.
وتؤكد أن المريض يبقى المتضرر الأكبر، إذ قد يضطر من يحتاج إلى جسور أو تركيبات إلى الانتظار أو دفع مبالغ مرتفعة، رغم قدرة المختصين على تنفيذ العلاج متى توفرت المواد والإمكانات.
وعلى مستوى القطاع، قال نقيب أطباء الأسنان عرفان اشتيوي إن عدد عيادات الأسنان في قطاع غزة قبل الحرب بلغ نحو 1,026 عيادة، توقفت 500 إلى 600 منها عن العمل، فيما استأنفت بعض العيادات نشاطها بصورة جزئية في ظل صعوبات تتعلق بتوفر المستلزمات والأجهزة والطاقة.
وحذر من أن تأجيل علاج مشكلات الأسنان قد يؤدي إلى تفاقم التسوس وأمراض اللثة والالتهابات والخراجات، وقد ينتهي بفقدان أسنان كان من الممكن الحفاظ عليها، أو الحاجة إلى علاجات أكثر تعقيدًا وكلفة.
ودعا اشتيوي المؤسسات الدولية والإنسانية والصحية إلى العمل العاجل على إدخال مواد طب الأسنان والمستلزمات الطبية اللازمة إلى القطاع، وتمكين الأطباء من مواصلة تقديم خدماتهم للمرضى.


التعليقات : 0