غزة/ آية عبد العال:
لا تنتهي معاناة الأسر في قطاع غزة عند تأمين المال اللازم لشراء احتياجاتها، إذ يواجه المواطنون صعوبة في الحصول على النقد في ظل تضرر المصارف وأجهزة الصراف الآلي ونقص السيولة، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام قيود جديدة عند إنفاقه؛ فبعض التجار يرفضون التعامل بالكاش أو قبول أوراق نقدية معينة، فيما يفضل آخرون الدفع الإلكتروني، بينما يضطر حاملو النقد إلى دفع عمولات لتحويله إلى أرصدة إلكترونية.
وتفاقمت هذه الظروف خلال الحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مع صعوبة إدخال أوراق نقدية جديدة واستمرار تداول الأوراق القديمة والمهترئة، بالتزامن مع نقص الفئات الصغيرة و«الفكة»، ما جعل امتلاك المال لا يعني بالضرورة سهولة استخدامه، خصوصًا للفئات التي تتلقى مستحقاتها نقدًا.
رفض وعمولة
الموظف الحكومي محمد فرج الله، في وزارة التربية والتعليم، يعيل خمسة أفراد ويتقاضى 1000 شيكل كل 100 يوم، يقول "إنه فوجئ خلال دخوله أحد المولات الكبيرة للتسوق برفض المحاسب استلام ورقة نقدية من فئة 200 شيكل، رغم أنها جديدة، بعدما بلغت قيمة مشترياته نحو 170 شيكلًا، بحجة عدم توفر «الفكة» لإعادة باقي المبلغ".
واضطر فرج الله إلى إضافة سلع لا يحتاج إليها حتى يكتمل مبلغ الـ200 شيكل، بدلًا من إعادة مشترياته والبحث عن وسيلة دفع أخرى، مبينًا أن الموقف دفعه لاحقًا إلى السؤال عن إمكانية الدفع النقدي قبل بدء التسوق لتجنب تكراره.
ويعرب عن استغرابه من رفض بعض المحال للأوراق النقدية الجديدة، موضحًا أن المواطنين كانوا يتفهمون في فترات سابقة رفض بعض الأوراق المهترئة، لكن الأمر يختلف عندما تكون الورقة جديدة وصالحة للتداول.
ويعتمد فرج الله أحيانًا على الدفع الإلكتروني، إلا أن تعطل هاتفه وعدم قدرته على إصلاحه بسبب ارتفاع أسعار الهواتف جعلاه يتشارك هاتف زوجته لإجراء معاملاته الإلكترونية، لذلك يضطر إلى استخدام الكاش عندما لا يكون الهاتف متاحًا لديه، والبحث عن محال تقبل الدفع النقدي.
أما محمود صيام، وهو موظف في السلطة، فيقول إنه يعتمد أساسًا على الدفع عبر التطبيقات والمحافظ الإلكترونية، إلا أن القيود المفروضة على حسابه البنكي وتوقف البنك عن إتاحة التعامل عليه دفعاه إلى العودة لاستخدام النقد في بعض معاملاته.
ويوضح صيام لـ" الاستقلال" أنه اضطر خلال الفترة الأخيرة إلى التعامل مع أحد الباعة بالنقد، إلا أن البائع احتسب له قيمة أقل من المبلغ الذي دفعه مقابل قبول الكاش، لافتًا إلى أن ذلك يعني اقتطاع جزء من أمواله لمجرد استخدام النقد في عملية الشراء.
ويشير صيام إلى أن المواطنين كانوا في فترات سابقة يدفعون عمولات للحصول على الكاش بعد وصول رواتبهم ومستحقاتهم إلى حساباتهم أو تطبيقاتهم البنكية، بينما أصبح بعضهم اليوم يدفع في الاتجاه المعاكس للتخلص من النقد وتحويله إلى أموال إلكترونية يمكن استخدامها في معاملاته.
التاجر بين الكاش والدفع الإلكتروني
ومن جهته، يقول التاجر خالد أبو عريبان إن نقص الفئات الصغيرة و«الفكة»، إلى جانب تفاوت حالة الأوراق النقدية التي تصله من الزبائن، يجعل التعامل بالكاش أكثر صعوبة ويدفعه أحيانًا إلى تفضيل الدفع الإلكتروني.
ويشرح لـ" الاستقلال" أن الورقة النقدية التي يقبلها من أحد الزبائن قد يجد صعوبة في تمريرها عند التعامل مع تاجر أو مورد آخر، خاصة إذا كانت قديمة أو مهترئة، بينما يجنب الدفع الإلكتروني مشكلة توفير الفكة وإعادة الباقي، ويسهل تسوية معاملاته.
ويبيّن أبو عريبان أن التجار الذين يتعاملون بالكاش قد يضطرون لاحقًا إلى تحويله إلى أرصدة إلكترونية، وهو ما يرتب كلفة إضافية على حركة البيع والشراء.
إجراءات لمواجهة الرفض
وفي مواجهة رفض بعض المحال التعامل بأوراق نقدية صالحة للتداول، أكدت المديرية العامة للشرطة في قطاع غزة ضرورة تداول العملات الورقية الصالحة للاستخدام بمختلف أنواعها، سواء كانت جديدة أو قديمة، شريطة ألا تكون تالفة، معلنة أن إدارة المباحث العامة ستتابع الالتزام بذلك في الأسواق وتتخذ إجراءات قانونية بحق المخالفين.
ودعت الشرطة المواطنين إلى الإبلاغ عن حالات رفض تداول العملات عبر الرقم المجاني للعمليات المركزية (109)، أو من خلال أقرب مركز شرطة.
الكاش يفقد سهولة تداوله
ويرى الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر أن القيمة الاسمية للورقة النقدية لا تكفي وحدها لضمان قدرتها على إتمام المعاملة، إذ ترتبط قيمتها العملية بمدى قبولها لدى الأطراف المتعاملة بها، في ظل تحول سوق غزة من مشكلة شح النقد إلى صعوبة استخدامه وتداوله.
وبحسب ما رصده أبو قمر في السوق، تراوحت عمولات تحويل النقد إلى أرصدة إلكترونية بين 3 و10%، وتختلف قيمتها بحسب الجهة التي تنفذ العملية وحالة الأوراق النقدية، فيما ترتفع في بعض الحالات عندما تكون الأوراق قديمة أو مهترئة.
ويضيف أن نقص الفئات الصغيرة يضيف مشكلة أخرى إلى حركة البيع والشراء، إذ يحتاج التاجر والمستهلك إلى «الفكة» لإتمام المعاملات ورد الباقي، ومع غيابها تتجه بعض المعاملات إلى الدفع الإلكتروني لتسوية المبالغ دون الحاجة إلى توفير النقد أو الفكة.
ويلفت أبو قمر إلى أن استمرار هذا الوضع يحمّل المواطن كلفة إضافية لا ترتبط بسعر السلعة نفسها، وإنما بطريقة استخدام المال، في وقت يعاني فيه الاقتصاد المحلي من محدودية السيولة واضطراب دورة النقد داخل القطاع.
ويؤكد أن معالجة المشكلة تتطلب انتظام دورة السيولة وتوفير الأوراق النقدية بمختلف فئاتها، إلى جانب ضمان قدرة المواطنين على استخدام أموالهم دون اقتطاعات إضافية لمجرد تحويلها من وسيلة دفع إلى أخرى.


التعليقات : 0