"شهداء ثأر الأحرار".. من الاغتيال إلى ترسيخ معادلة المواجهة

تقارير وحوارات

غزة/ دعاء الحطاب:
في الذكرى الـ39 لانطلاقة حركة الجهاد الإسلامي، يتجاوز المشهد السرد التقليدي لسنوات التأسيس ومحطاته الأولى؛ لتبرز خلف كل مرحلة أسماء رجال حملوا أدواراً استثنائية، وتركوا بصماتهم محفورة في مسار الحركة، قبل أن تتحول سيرتهم إلى جزء حيّ من ذاكرتها الوطنية.
ومن بين تلك الأسماء، يبرز جهاد الغنام، وخليل البهتيني، وطارق عز الدين، ثلاثة قادة اجتمعت حكاياتهم في فجر التاسع من مايو/أيار 2023، حين استهدفتهم الغارات الإسرائيلية في ضربات متزامنة، لتفتح بعدها مواجهة حملت اسم "ثأر الأحرار".
لم يكن الرجال الثلاثة متشابهين في مساراتهم؛ فالغنام جاء من رفح ووصل إلى موقع متقدم في القيادة العسكرية، والبهتيني تولى قيادة المنطقة الشمالية، بينما حمل عز الدين تجربة الأسر والإبعاد من جنين إلى غزة. لكن اختلاف الطرق لم يمنع أن تلتقي نهاياتهم في لحظة واحدة، وأن يصبح استشهادهم بداية لمحطة جديدة في مسار الحركة.
ومن هنا، تستعيد "الاستقلال" في ذكرى الانطلاقة حكاية ثلاثة من قادتها، ليس باعتبارهم أسماء ارتبطت بمعركة واحدة فحسب، وإنما بوصفهم جزءًا من مسيرة حركة امتدت على مدى 39 عامًا، وتراكمت خلالها تجارب سياسية وعسكرية وتنظيمية تركت حضورها في المشهد الفلسطيني.
جهاد الغنام من رفح إلى قلب القيادة
من مدينة رفح جنوب قطاع غزة، بدأ جهاد الغنام مسيرته داخل حركة الجهاد الإسلامي وسرايا القدس، قبل أن يتدرج في مواقع العمل العسكري حتى وصل إلى موقع أمين المجلس العسكري لسرايا القدس. خلال سنوات عمله، ارتبط اسمه بالمؤسسة العسكرية للحركة، وبرز ضمن قياداتها التي تولت إدارة ملفات ميدانية وتنظيمية في ظل جولات متكررة من التصعيد والاغتيالات.
ولم يكن الغنام بعيدًا عن دائرة الاستهداف الإسرائيلي، إذ سبق أن نجا من محاولات اغتيال، قبل أن تصل إليه الغارة فجر التاسع من مايو/أيار 2023، وتستهدف منزله في حي الجنينة بمدينة رفح، ما أدى إلى استشهاده وزوجته.
وباغتياله، لم تكن الضربة تستهدف قائدًا ميدانيًا فحسب، بل طالت أحد أبرز الأسماء في قيادة سرايا القدس، في توقيت حمل لاحقًا تداعيات عسكرية وسياسية واسعة.
خليل البهتيني.. قائد الشمال في مرمى الاستهداف
في غزة، كان خليل البهتيني يسير في مسار مختلف، لكنه انتهى إلى الموقع نفسه داخل دائرة القيادة العسكرية. تدرج البهتيني في العمل ضمن سرايا القدس، وتولى عددًا من المهام العسكرية، قبل أن يتولى قيادة المنطقة الشمالية في قطاع غزة، عقب استشهاد القائد تيسير الجعبري في عدوان أغسطس/آب 2022، والذي سُمّي فلسطينياً بمعركة "وحدة الساحات"، وإسرائيلياً بعملية "الفجر الصادق" .
ومع موقعه في قيادة المنطقة الشمالية، أصبح البهتيني أحد أبرز القادة العسكريين للحركة في قطاع غزة، كما ارتبط اسمه بعضوية المجلس العسكري والمشاركة في غرفة العمليات المشتركة لفصائل المقاومة.
وفي فجر التاسع من مايو/أيار 2023، وصل الاستهداف إلى منزله في حي التفاح بمدينة غزة، حيث استشهد مع عدد من أفراد عائلته.
وبذلك، تزامن اغتيال الغنام والبهتيني في لحظة واحدة، في ضربة بدت موجهة إلى رأس البنية العسكرية لسرايا القدس، قبل أن يتضح أن العملية ستفتح مواجهة جديدة.
عز الدين.. من أسر جنين إلى ساحات غزة
أما طارق عز الدين، فكانت حكايته مختلفة في تفاصيلها، وأكثر ارتباطاً بتجربة الأسر والضفة الغربية. ينحدر عز الدين من بلدة عرابة في جنين، واعتقلته قوات الاحتلال الإسرائيلي على خلفية نشاطه في الضفة الغربية، قبل أن يخرج من الأسر ضمن صفقة "وفاء الأحرار" عام 2011، ويُبعد إلى قطاع غزة.
وفي غزة، واصل عمله داخل حركة الجهاد الإسلامي، وارتبط بملف الأسرى والعمل الإعلامي والتنظيمي، كما عمل في إذاعة "صوت الأسرى"، قبل أن يصبح أحد الأسماء المرتبطة بملف العمل المقاوم في الضفة. لكن مسيرته توقفت في الغارة التي استهدفته فجر التاسع من مايو/أيار 2023، والتي أدت إلى استشهاده في غزة برفقة نجله علي وابنته ميّار.
وهكذا، كان عز الدين ثالث الأسماء التي ارتقت في الضربة ذاتها، إلى جانب الغنام والبهتيني، لتجتمع ثلاثة مسارات مختلفة في لحظة واحدة.
فجرٌ واحد.. وثلاثة قادة في الساعات الأولى
في التاسع من مايو/أيار 2023، كانت غزة على موعد مع واحدة من أكثر الضربات الإسرائيلية تركيزًا على قيادات حركة الجهاد الإسلامي. ثلاث غارات متزامنة استهدفت ثلاثة من أبرز قادة الحركة؛ جهاد الغنام في رفح، وخليل البهتيني في غزة، وطارق عز الدين في غزة.
ولم يكن القاسم المشترك بينهم مجرد انتمائهم إلى حركة واحدة، بل مواقعهم المختلفة داخل منظومتها السياسية والعسكرية والتنظيمية. فالغنام كان في موقع متقدم من القيادة العسكرية، والبهتيني قائدًا للمنطقة الشمالية، بينما حمل عز الدين تجربة مختلفة جمعت بين الأسر والعمل التنظيمي والإعلامي والارتباط بملف الضفة الغربية.
وباغتيالهم، بدا أن الضربة الإسرائيلية أرادت إحداث أثر يتجاوز فقدان ثلاثة قادة، لتصيب مستويات متعددة من بنية الحركة في آن واحد، لتحمل الساعات التالية مساراً آخر.
"ثأر الأحرار".. حين تحولت الخسارة إلى مواجهة
بعد ساعات من الاغتيالات، دخل قطاع غزة في جولة تصعيد حملت اسم "ثأر الأحرار"، ووجدت سرايا القدس نفسها أمام اختبار جديد: إدارة مواجهة بعد فقدان عدد من أبرز قادتها في ضربة واحدة.
وعلى مدى نحو خمسة أيام، شهدت المواجهة إطلاق صواريخ من قطاع غزة وردودًا إسرائيلية، فيما تحركت الوساطة المصرية وصولاً إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في 13 مايو/أيار.
وبالنسبة لحركة الجهاد الإسلامي، لم تكن المعركة مجرد جولة عسكرية منفصلة، بل ارتبط اسمها مباشرة بالرد على اغتيال قادتها الثلاثة.
وهنا أخذت أسماء الغنام والبهتيني وعز الدين مكاناً مختلفاً في ذاكرة الحركة، فلم تعد سيرتهم مرتبطة بمواقعهم القيادية فقط، وإنما أصبحت جزءًا من معركة حملت اسما يستحضرهم بصورة مباشرة.
"ثأر الأحرار".. محطة نضالية
بعد أربعة عقود تقريبًا من انطلاقة حركة الجهاد الإسلامي، كانت "ثأر الأحرار" واحدة من المحطات التي يمكن من خلالها قراءة جانب من تطور تجربة الحركة، فالمعركة جاءت في مواجهة استهداف مباشر لقيادتها، و اختبرت قدرتها على مواصلة العمل العسكري والسياسي بعد فقدان عدد من أبرز قادتها. فاغتيال الغنام والبهتيني وعز الدين لم ينهِ المشهد، بل فتح مواجهة جديدة ظهرت خلالها سرايا القدس كقوة قادرة على إعادة ترتيب صفوفها والاستمرار في إدارة الرد، فيما بقيت الحركة حاضرة في المسار السياسي الذي انتهى بوقف إطلاق النار.
وبهذا شكلت "ثأر الأحرار" محطة فارقة في مسار حركة الجهاد الإسلامي، عززت حضورها السياسي والعسكري، وأظهرت قدرتها على مواصلة المواجهة المنظمة رغم استهداف قياداتها.
وفي الذكرى الـ39 لانطلاقتها، لا تبدو حكاية الغنام والبهتيني وعز الدين مجرد استعادة لأسماء ثلاثة قادة، بل نافذة على مرحلة من مسيرة الحركة، انتقلت فيها الأسماء من مواقع القيادة والعمل، إلى صفحات الذاكرة، ومن ثم إلى عنوان معركة حملت أثرهم.
ثلاثة رجال، وثلاثة مسارات، وفجر واحد جمعهم، ثم جاءت "ثأر الأحرار" لتضع تلك الأسماء في واحدة من أبرز محطات مسيرة الجهاد الإسلامي، وتضيف فصلًا جديدًا إلى ذاكرة حركة تقترب من أربعة عقود على انطلاقتها.

التعليقات : 0

إضافة تعليق