زيتون غزة.. موسم يتهاوى تحت وطأة الحرب

زيتون غزة.. موسم يتهاوى تحت وطأة الحرب
تقارير وحوارات

غزة/ آية عبد العال:

يحلّ موسم الزيتون الثالث في قطاع غزة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وسط تراجع حاد في المساحات المزروعة وكميات الإنتاج، بفعل الدمار الواسع الذي طال الأراضي الزراعية وأشجار الزيتون، إلى جانب ارتفاع تكاليف الزراعة وصعوبة توفير مستلزماتها، ما يهدد أحد مصادر الدخل الرئيسية لآلاف الأسر الفلسطينية.

ولم تقتصر تداعيات الحرب على تراجع المحصول وتضرر الأراضي الزراعية، بل امتدت إلى معاصر الزيتون والأسواق المحلية، حيث أدى انخفاض الإنتاج وارتفاع تكاليف العصر إلى زيادة الأسعار وتراجع حركة البيع والشراء، ما أضعف قدرة الأسر على شراء الزيتون للتخليل أو إنتاج الزيت، بعدما كان من أبرز السلع الغذائية التي تحرص على توفيرها سنويًا.


وبين مزارع فقد جزءًا كبيرًا من إنتاج أرضه، وتاجر يلحظ تراجع إقبال المواطنين، ومعاصر تواجه كلفة تشغيل مرتفعة، يتقلص حضور الزيتون في دورة الحياة الاقتصادية للغزيين، بعدما كان موسمًا يوفر محصولًا وغذاءً ومصدر دخل لآلاف الأسر والعاملين.

موسم بأقل من المعتاد

في منطقة النصيرات بالمحافظة الوسطى من قطاع غزة، يقارن المزارع سالم الأشهب بين مواسم الزيتون التي عرفها قبل الحرب وما يجنيه اليوم من أرضه، بعدما تحولت أرضه خلال الحرب إلى مأوى للنازحين مع اتساع حركة النزوح وعدم توفر مساحات كافية لإقامة الخيام.

ويقول الأشهب إن بعض المواسم كانت تنتج له ما بين 5 و10 أطنان من الزيتون، بينما لا يتجاوز إنتاجه حاليًا نحو طن إلى طنّين، مشيرًا إلى أن وجود خيام النازحين في الأرض أثر في الأشجار، كما تعرض بعضها للتلف نتيجة تصريف مياه الجلي والغسيل المحملة بمواد التنظيف بالقرب منها.

ولم يتوقف الضرر عند ذلك، إذ اقتُلعت فروع من أشجار الزيتون لاستخدامها حطبًا للطهي وإشعال النار، في ظل أزمة الغاز التي عانى منها قطاع غزة خلال فترات طويلة من الحرب، ما أفقد الأشجار أجزاءً من أغصانها وأثر في قدرتها على الإنتاج.

ويواجه الأشهب صعوبة في إعادة العناية بالأرض وحراثتها، مع ارتفاع تكاليف تشغيل الآلات، في وقت يعاني فيه أصلًا من فقدان مصدر للدخل. كما ارتفعت أسعار الأسمدة وقلت كمياتها، فيما تحتاج أشجار الزيتون إلى عمليات رش ومكافحة للآفات والعناية المستمرة، وهي مستلزمات أصبحت كلفتها مرتفعة وتوفيرها أكثر صعوبة.

ورغم ذلك، ينتظر الأشهب كل عام موسم الزيتون بفارغ الصبر لاعتماده عليه كمصدر دخل رئيس لأسرته، إلا أن انخفاض المحصول يجعله أمام عائد أقل بكثير مما كان يحققه في المواسم السابقة.

خسائر تطال الزيتون والمعاصر

وتوضح بيانات المركز الحكومي للإعلام أن مساحة الأراضي المزروعة بالزيتون في قطاع غزة تراجعت من نحو 50 ألف دونم قبل الحرب إلى قرابة 5 آلاف دونم حاليًا، فيما انخفض عدد الأشجار من نحو مليوني شجرة إلى قرابة 150 ألف شجرة.

وانعكس ذلك على الإنتاج، إذ انخفضت كمية ثمار الزيتون من نحو 40 ألف طن سنويًا قبل الحرب إلى قرابة 5 آلاف طن حاليًا، فيما تراجع إنتاج زيت الزيتون من نحو 5 آلاف طن إلى نحو 700 طن.

وامتدت الخسائر إلى المعاصر، التي انخفض عددها من نحو 40 معصرة قبل الحرب إلى 7 معاصر عاملة حاليًا، في وقت تقلص فيه عدد المزارعين والعاملين في القطاع، وتراجعت معه حركة العمل المرتبطة بجني المحصول ونقله وعصره وإنتاج الزيت وتعبئته.

ارتفاع الكلفة يضعف الإقبال

ولا يقتصر تراجع موسم الزيتون على المزارعين والمعاصر، بل يمتد إلى السوق، مع ارتفاع سعر الثمار وتكاليف تحويلها إلى زيت، ما انعكس على الكميات التي يشتريها المستهلكون.

ويقول تاجر الزيتون محمد أبو مهادي إن سعر الرطل الذي يشتريه من أصحاب الأراضي وصل هذا الموسم إلى نحو 40 شيكلًا، مقابل نحو 10 شواكل قبل الحرب، مشيرًا إلى أنه بات يشتري كميات أقل من الثمار، معظمها لبيعها للمستهلكين بغرض التخليل، بما يتناسب مع قدرتهم الشرائية.

ويوضح أن الأسر كانت قبل الحرب تشتري كميات أكبر من الزيتون لتخليلها والاحتفاظ بها طوال العام، وكانت الأسرة المتوسطة تشتري ما لا يقل عن 5 أرطال، بينما كان من يرغب في شراء الزيتون للعصر يشتري نحو 33 رطلًا أو أكثر. أما اليوم، فلا تتجاوز مشتريات كثير من المواطنين رطلين أو ثلاثة كحد أقصى، نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.

ويشير أبو مهادي إلى أن الإقبال على شراء الزيتون بغرض العصر أصبح محدودًا، بسبب ارتفاع كلفة عصر الكيلوغرام إلى نحو 4 شواكل، فضلًا عن ثمن الثمار وتكاليف نقلها إلى المعصرة، ما يرفع الكلفة الإجمالية لإنتاج الزيت ويجعلها تفوق قدرة كثير من الأسر.

وفي المقابل، يوضح أبو مهادي أن بعض المستهلكين باتوا يتجهون إلى شراء الزيت المستورد، الذي يصل سعر اللتر منه إلى نحو 35 شيكلًا، باعتباره أقل كلفة من شراء الزيتون وتحمل تكاليف نقله وعصره، رغم اختلاف الجودة بين المنتجين.

ويؤكد أن حركة بيع الزيتون هذا الموسم تبدو ضعيفة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، مع تراجع الكميات التي يشتريها المواطنون، سواء للتخليل أو للعصر، بفعل الفارق الكبير في الأسعار.

الريفي: إنقاذ ما تبقى من القطاع

ويقول المدير العام للإدارة العامة للتنمية الزراعية ورئيس لجنة معاصر الزيتون، المهندس شاهر الريفي، إن الكمية المتوقعة من ثمار الزيتون هذا الموسم لا تعني إنتاج الكمية نفسها من الزيت، إذ سيذهب جزء من المحصول إلى التخليل، فيما تتأثر الكميات التي تصل إلى المعاصر بارتفاع تكاليف العصر.

ويشير الريفي إلى أن المعاصر العاملة تواجه ارتفاعًا في تكاليف الصيانة وقطع الغيار، مع صعوبة توفير بعض القطع وارتفاع أسعار المتاح منها، إلى جانب أزمة الطاقة والاعتماد على المولدات التي تعمل بالوقود.

ويوضح أن تشغيل مولد بقدرة نحو 200 كيلو فولت أمبير يحتاج إلى قرابة 20 لترًا من السولار في الساعة، فضلًا عن زيوت المحركات وتكاليف الصيانة، ما يرفع كلفة تشغيل المعاصر خلال الموسم.

ويرى الريفي أن دعم القطاع لا يقتصر على تشغيل المعاصر خلال موسم القطاف، وإنما يتطلب مساندة أصحابها في تكاليف الطاقة والوقود وزيوت المحركات والعمالة الفنية، إلى جانب دعم المزارعين في تكاليف جني الثمار واستصلاح وزراعة الأراضي المتاحة، للحفاظ على ما تبقى من القطاع واستعادة قدرته على الإنتاج تدريجيًا.

التعليقات : 0

إضافة تعليق