غزة/ دعاء الحطاب:
لم تعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية والقدس المحتلة حوادث متفرقة تستهدف أفرادًا أو ممتلكات بعينها، بل باتت تطال القرى والبلدات الفلسطينية وسكانها، عبر الاعتداء الجسدي وإطلاق النار والتهديد بالقتل، وإحراق المنازل والمركبات وتخريب الممتلكات وإغلاق الطرق، في مشهد تتزايد معه المخاوف على سلامة المواطنين وقدرتهم على البقاء في أراضيهم.
وتكشف البيانات الأممية عن اتساع نطاق هذه الاعتداءات، إذ وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أكثر من 1600 هجوم منذ مطلع عام 2026 وحتى منتصف سبتمبر/أيلول، أسفر عن إصابات فلسطينية أو أضرار بالممتلكات، وطال 275 تجمعًا فلسطينيًا، بمعدل 6.7 هجوم يوميًا، مقارنة بخمسة هجمات يوميًا خلال عام 2025.
ولا تقتصر تداعيات هذه الاعتداءات على الخسائر البشرية والأضرار المادية، بل تمتد إلى تهديد سبل العيش وتهجير السكان، إذ أفادت الأمم المتحدة بأن أكثر من 2600 فلسطيني نزحوا منذ مطلع العام في سياق عنف المستوطنين والقيود المرتبطة به، حتى منتصف سبتمبر/أيلول 2026.
وقود للحسابات الانتخابية
ويرى المختص بشؤون الاستيطان خالد منصور، أن اعتداءات المستوطنين ليست ظاهرة جديدة، بل امتداد لاعتداءات متواصلة منذ سنوات، ازدادت حدتها بعد الحرب على قطاع غزة، بالتزامن مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية.
ويقول منصور خلال حديثه لـ "الاستقلال": "أن الدم الفلسطيني والأرض الفلسطينية هما وقود للأحزاب اليمينية ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في حساباتهم الانتخابية"، في إشارة إلى تزامن تصاعد اعتداءات المستوطنين مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية.
ويوضح أن الاعتداءات تتخذ أشكالًا متعددة، تشمل إحراق المنازل والمركبات، ومهاجمة المواطنين والاعتداء عليهم، وإغلاق الطرق، وكتابة الشعارات التهديدية، إلى جانب تهديد السكان بالقتل أو الرحيل، وهدم المنازل بذريعة البناء دون ترخيص. ولا يعتبر منصور هذه الاعتداءات حوادث منفصلة، بل يراها جزءًا من مسار يستهدف السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الفلسطينية، وتقويض إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.
ويرفض وصف هذه البؤر بالعشوائية، معتبرًا أنها تأتي ضمن مخطط يهدف إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية، بحيث تتحول القرى والمدن الفلسطينية إلى جزر منفصلة وسط امتداد استيطاني متزايد.
ويلفت إلى أن السيطرة على الأراضي لم تعد، بحسب قوله، مقتصرة على المناطق المصنفة «ج»، والتي تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية، بل امتدت الاعتداءات إلى مناطق «أ» و«ب»، في تطور يعكس اتساع نطاق استهداف التجمعات الفلسطينية وأراضيها.
ويؤكد منصور أن هناك شراكة واضحة بين المستوطنين وجيش الاحتلال الإسرائيلي في هذه الاعتداءات، معتبرًا أن تكرار الهجمات واتساع نطاقها يتجاوزان تصرفات فردية معزولة، ويرتبطان بمحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض.
ويحذر من أن استمرار الاعتداءات يهدد بتهجير الفلسطينيين من أراضيهم، خصوصاً في القرى والتجمعات البدوية التي تتعرض لضغوط متواصلة تمس أمن السكان وممتلكاتهم وقدرتهم على البقاء.
ويشير إلى أن عشرات التجمعات البدوية اضطرت إلى مغادرة أماكنها تحت وطأة الاعتداءات والتهديدات، محذراً من أن استمرار هذه الممارسات قد يقود إلى اقتلاع قرى وتجمعات بأكملها.
ويربط منصور بين ما تعرض له الفلسطينيون في قطاع غزة من حرب وتهجير، والمخاطر التي تواجه السكان في الضفة الغربية، معتبراً أن الضغط على الأهالي واستهداف ممتلكاتهم ومصادر رزقهم يفاقمان مخاطر النزوح القسري.
لجان الحماية ومواجهة جماعية
وأمام هذا الواقع، يشدد منصور على أهمية تعزيز التضامن المجتمعي وتشكيل لجان حماية في القرى والبلدات والتجمعات الفلسطينية، بما يتيح مساندة المواطنين وعدم تركهم بمفردهم في مواجهة الاعتداءات.
ويوضح أن الأهالي يلجؤون إلى التحرك الجماعي عندما تتعرض قراهم للهجمات، كما يتوجه المزارعون إلى أراضيهم بمجموعات من المتطوعين، في محاولة للحد من استفراد المستوطنين بهم وحماية المواطنين وممتلكاتهم.
ويدعو منصور إلى تعميم لجان الحماية المجتمعية في القرى والتجمعات، وتنسيق الجهود بين الأهالي، معتبرًا أن العمل الجماعي والتكافل يمثلان وسيلة لتعزيز صمود الفلسطينيين في أراضيهم ومواجهة محاولات الضغط عليهم ودفعهم إلى الرحيل.
وبين الاعتداءات الجسدية وإحراق المنازل وتخريب الممتلكات وإغلاق الطرق، تتجاوز المخاطر التي يواجهها الفلسطينيون حدود الحوادث الفردية، لتطال أمن التجمعات السكنية واستقرار العائلات وحقها في البقاء على أرضها، في ظل استمرار التوسع الاستيطاني وتصاعد الهجمات في الضفة الغربية والقدس المحتلة.
احصائيات صادمة
وكشف مدير مرصد الاستيطان، نصير أبو ثابت، عن توثيق 9528 انتهاكًا استيطانيًا في الضفة الغربية والقدس المحتلة، خلال الفترة الممتدة من مطلع عام 2026 حتى تشرين الأول/أكتوبر الجاري، طالت 368 قرية وبلدة فلسطينية، في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين وتوسع الأنشطة الاستيطانية.
وقال أبو ثابت، في تصريح صحفي، إن المعطيات الميدانية تعكس تصاعد الاعتداءات والأنشطة الاستيطانية، مشيرًا إلى أن هذه الممارسات تسهم في تقطيع الجغرافيا الفلسطينية وفرض وقائع استيطانية جديدة على الأرض تحت حماية قوات الاحتلال.
وفي تفاصيل الانتهاكات، سجل مرصد الاستيطان 3012 انتهاكًا في قطاع الحركة والاقتحامات، تضمنت 1748 حالة عربدة وترهيب للمواطنين على الطرقات، و971 اقتحامًا للتجمعات السكنية، إلى جانب 293 حالة إغلاق للطرق والقرى، بما يقيّد حركة الفلسطينيين ويزيد من صعوبة تنقلهم بين المناطق.
وفي قطاع الأفراد والسلامة العامة، وثّق المرصد 2621 انتهاكًا، أسفرت، وفق بياناته، عن استشهاد 29 مواطنًا بنيران قوات الاحتلال والمستوطنين، وإصابة 491 آخرين بجروح متفاوتة، فضلًا عن 1881 حالة اعتداء جسدي وميداني مباشر.
وشملت الانتهاكات 195 حادثة إطلاق نار حي استهدفت مواطنين فلسطينيين، و21 حادثة دهس، وأربع حالات طعن نفذها مستوطنون، وفق البيانات التي أعلنها أبو ثابت.
ولا تقتصر الاعتداءات على استهداف المواطنين بصورة مباشرة، بل تمتد إلى منازلهم ومركباتهم وممتلكاتهم، إذ سجل المرصد 1137 انتهاكًا في هذا المجال، توزعت على 480 حالة سرقة للممتلكات والمواشي والمعدات الزراعية، و374 عملية تحطيم وتخريب للمنازل والمركبات، إلى جانب 283 عملية تدمير وهدم لمنشآت.
كما رصد المرصد 2146 انتهاكًا متعلقًا بالأنشطة الاستيطانية والمقدسات، بينها 1812 نشاطًا استيطانيًا توسعيًا شمل تجريف الأراضي وشق الطرق ومصادرتها، إضافة إلى 179 حادثة تدنيس للمقدسات والمساجد، و155 حالة نصب كرفانات ومعدات استيطانية جديدة.
وفي القطاع الزراعي والبيئي، وثّق المرصد 612 انتهاكًا شملت إحراق الأراضي والمنازل، وتدمير المحاصيل الزراعية وأشجار الزيتون، في إطار اعتداءات تطال مختلف جوانب الحياة الفلسطينية ومصادر رزق المواطنين.


التعليقات : 0