غزة/ دعاء الحطاب:
مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر المقبل، تتقدم غزة إلى صدارة حسابات الأحزاب المتنافسة على السلطة، بوصفها ملفاً أمنياً وسياسياً يسعى كل طرف إلى توظيفه لتعزيز موقعه أمام الناخبين، في وقت لا تزال فيه ملفات وقف الحرب والانسحاب وإعادة الإعمار وترتيبات إدارة القطاع عالقة، وسط استمرار التصعيد الميداني الذي يهدد بتقويض فرص التقدم نحو المرحلة التالية من الاتفاقات.
وبينما يسعى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى تقديم الحرب على غزة باعتبارها إنجازاً سياسياً وأمنياً، يرى مختصون أن التنافس على أصوات اليمين قد يضيّق هامش المناورة أمام أي خطوات نحو التهدئة، ويجعل استحقاقات الاتفاقات مرتبطة بحسابات الداخل الإسرائيلي، لا بالالتزامات المعلنة وحدها.
غزة.. ورقة انتخابية بامتياز
ويصف المختص بالشأن السياسي ثابت العمور غزة بأنها «رمانة الميزان» في الانتخابات الإسرائيلية، معتبراً أن نتائج التعامل معها قد تؤثر في بقاء نتنياهو في منصبه، أو تمهد الطريق أمام صعود قيادة جديدة.
ويوضح العمور، في حديثه لـ«الاستقلال»، أن القطاع بات حاضراً بقوة في حسابات المرشحين، وأن تصاعد العدوان عليه قد يُستثمر انتخابياً لتقديم صورة القوة والحزم أمام الجمهور الإسرائيلي. ويرجح، بناءً على ذلك، استمرار الضغوط الميدانية على غزة خلال فترة الانتخابات وما بعدها، بما يشمل القصف والنسف والإخلاءات، بالتوازي مع تعثر الانسحاب وإعادة الإعمار.
ويشير إلى أن نتنياهو يجيد توظيف الملفات السياسية والأمنية في معركته الانتخابية، ويربط بين تمسكه بالسلطة وتعطيل استحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار الذي وُقّع في شرم الشيخ في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025. فالمخاوف الأمنية المرتبطة بغزة، وفق قراءته، تمنح رئيس الحكومة فرصة لتقديم الحرب وتدمير القطاع باعتبارهما إنجازين أمام جمهوره، في محاولة لتعزيز فرص بقائه في الحكم وتجنب تبعات إخفاقاته السياسية.
وفي قراءته لمواقف الأحزاب الإسرائيلية، يرى العمور أن الخلافات بينها لا تعكس بالضرورة اختلافاً جوهرياً في الأهداف المتعلقة بالفلسطينيين، بقدر ما تتمحور حول أدوات التنفيذ وتوقيته. ويشير إلى وجود تقارب بين قوى سياسية إسرائيلية في رفض إقامة دولة فلسطينية، وتأييد استمرار السيطرة العسكرية على غزة، إلى جانب مواقف تستهدف الضفة الغربية والسلطة الفلسطينية.
ويضيف أن نتنياهو يرفض تقديم تنازلات قد تؤثر في موقعه السياسي، بينما يحاول بعض منافسيه الظهور بمواقف أكثر مرونة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة حدوث تحول جوهري في السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
وفي المقابل، يلفت العمور إلى وجود أصوات إسرائيلية ترى أن سياسات الحكومة الحالية ألحقت أضراراً بصورة إسرائيل وعلاقاتها الدولية، وهو ما قد يدفع بعض القوى إلى مراجعة أساليب إدارة الصراع، من دون أن يعني تبنيها حلاً سياسياً يضمن الحقوق الفلسطينية.
ملفات عالقة وسيناريوهات مفتوحة
ويربط العمور بين الحسابات الانتخابية واستمرار تعثر الترتيبات المتعلقة بالمرحلة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار، بما يشمل نزع السلاح، ودخول لجنة التكنوقراط الفلسطينية، ونشر قوات الاستقرار الدولية، والانسحاب وإعادة الإعمار.
ويعتبر أن رفض إسرائيل المضي في هذه الملفات، إلى جانب استمرار الاغتيالات وعمليات النسف وتحريك الخط الأصفر، يعكس سعياً إلى فرض وقائع ميدانية جديدة في القطاع، بما يبقي مستقبله مفتوحاً على مزيد من التصعيد وعدم الاستقرار.
وفي استشرافه للمرحلة المقبلة، يطرح العمور ثلاثة سيناريوهات محتملة. يتمثل الأول في استمرار نتنياهو رئيساً للحكومة، بما قد يعني بقاء الأوضاع على حالها، مع احتمال حدوث انفراجات محدودة تبعاً لتركيبة الائتلاف الحكومي والضغوط السياسية. ويرى أن استمرار نتنياهو قد يتيح تحريك بعض الملفات العالقة، لكنه لا يرجح حلولاً جذرية للقضايا الأساسية المتعلقة بغزة.
أما السيناريو الثاني، فيتصل بوصول غادي آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة، إذ لا يتوقع العمور اختلافاً جوهرياً في السياسات الإسرائيلية تجاه القطاع، وإن كان يرجح تراجع حدة الخطاب التصعيدي واحتمال المضي في تنفيذ بعض بنود الخطة الأميركية.
ويتمثل السيناريو الثالث في تصاعد التحركات الشعبية في غزة، بما يفرض ضغوطاً على الإدارة الأميركية والوسطاء وإسرائيل، ويدفع نحو خطوات عملية محدودة، مثل إدخال لجنة التكنوقراط الفلسطينية أو تمكين السلطة الفلسطينية من أداء دور في إدارة القطاع.
ويخلص العمور إلى أن مستقبل غزة سيظل مرتبطاً بتوازنات السياسة الإسرائيلية وتركيبة الحكومة المقبلة، إلى جانب مواقف الأطراف الدولية والإقليمية ومدى استعدادها للضغط من أجل الانتقال من التصعيد وتعطل التفاهمات إلى ترتيبات تعالج الملفات السياسية والإنسانية العالقة.
التنافس على أصوات اليمين
من جهته، يربط المختص في الشؤون الإسرائيلية عصمت منصور بين استمرار الجمود في غزة وتعطل الانتقال إلى المرحلة الثانية من التفاهمات، وبين المنافسة الانتخابية داخل إسرائيل، مشيراً إلى أن التصعيد الأمني والاغتيالات يتيحان لنتنياهو واليمين التأكيد أن نهج الحكومة لا يزال قائماً، وأن الحرب لم تصل إلى نهايتها.
ويوضح منصور، في حديثه لـ«الاستقلال»، أن نتنياهو يتجنب اتخاذ خطوات عملية بشأن غزة قبل الانتخابات، رغم وجود ترتيبات جرى التفاهم بشأنها مع الولايات المتحدة، لأن الانتقال إلى المرحلة الثانية قد يتحول إلى نقطة ضعف انتخابية، عبر تصويره على أنه أبقى حماس في الحكم وانتقل إلى ترتيبات جديدة من دون تحقيق أهداف الحرب المعلنة.
ويشير إلى أن المنافسة على أصوات اليمين تدفع نتنياهو إلى التمسك بالخطاب المتشدد، وإبقاء غزة في صدارة المشهد الانتخابي، وتقديم استمرار العمليات العسكرية واغتيال قيادات حماس واستعادة الأسرى باعتبارها إنجازات لحكومته، بدلاً من الانتقال إلى ملفات الانسحاب وإعادة الإعمار والترتيبات السياسية.
وفيما يتعلق بالمعارضة، يرى منصور أن الاختلافات مع نتنياهو لا تمس بالضرورة الإطار العام للسياسة الإسرائيلية، بقدر ما تتصل بتفاصيل التنفيذ، ومنها دور السلطة الفلسطينية في إدارة غزة وطبيعة العلاقة مع مصر ودورها في المرحلة المقبلة.
ويشير إلى أن آيزنكوت قد يبدي مرونة أكبر في هذا الملف، انطلاقاً من إدراكه صعوبة إنهاء حكم حماس من دون مسار سياسي ووجود جهة تتولى إدارة القطاع، وهو ما قد يفتح المجال أمام تحريك بعض الترتيبات المتعثرة، من دون ضمان حدوث تغيير جوهري في السياسة الإسرائيلية.
ويحذر منصور من أن وصول حكومة أكثر تطرفاً قد ينعكس بصورة خطيرة على غزة والقدس والضفة الغربية وقضية الأسرى، ويؤدي إلى استمرار السياسات الحالية بوتيرة أشد
غزة في قلب الانتخابات الإسرائيلية.. سباق على السلطة يُبقي الحرب مفتوحة
تقارير وحوارات


التعليقات : 0