الاستقلال / معتز شاهين:
تشهد الضفة الغربية المحتلة تصاعدًا ملحوظًا في اعتداءات المستوطنين وجيش الاحتلال منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، من حيث حدّتها وتنوّعها؛ إذ لم تعد تقتصر على استهداف الأراضي والممتلكات، بل امتدت لتطال مرافق مدنية حساسة، بما في ذلك مدارس الأطفال، ما أسفر عن استشهاد وإصابة مئات الفلسطينيين.
ويرى مراقبون أن هذه الهجمات ليست عفوية، بل تجري ضمن سياسة إسرائيلية ممنهجة تقودها حكومة اليمين، التي توفر الغطاء والحماية للمستوطنين، في إطار محاولات فرض واقع جديد على الأرض يستهدف الوجود الفلسطيني ويقوّض مقومات حياته اليومية.
وتندرج هذه الاعتداءات، وفق مراقبين تحدثوا لـ"الاستقلال"، أمس الأحد، ضمن مشروع استيطاني يهدف إلى توسيع السيطرة الإسرائيلية على مساحات واسعة من الضفة الغربية، خصوصًا مناطق "ج"، عبر أدوات متعددة تشمل اعتداءات المستوطنين، وهدم المنازل، ومنع البناء، وخلق بيئة طاردة تدفع السكان إلى النزوح نحو المدن.
وفي سياق التصعيد الميداني، نفذت مجموعات من المستوطنين، الجمعة، هجمات واسعة في عدة مناطق بالضفة الغربية، تخللتها عمليات تهجير قسري، وإحراق ممتلكات، واعتداءات مسلحة، ضمن موجة تصعيد أسفرت عن ارتقاء ستة شهداء.
ومن بين الشهداء الطفل أوس النعسان (13 عامًا)، الذي استشهد جراء إطلاق مستوطنين النار على مدرسة في قرية المغير شمال شرق رام الله، أثناء الدوام الدراسي.
كما شملت الاعتداءات استهدافًا مباشرًا للمنشآت التعليمية، إذ هدم مستوطنون المدرسة الوحيدة في تجمع المالح البدوي بالأغوار الشمالية، فجر الثلاثاء، بما في ذلك غرف الصفوف والساحة وروضة الأطفال، فيما قام الجيش الإسرائيلي برفع أعلامه على مبنى تاريخي مجاور.
وبحسب معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، بلغ عدد اعتداءات جيش الاحتلال والمستوطنين خلال شهر مارس/آذار الماضي 1819 اعتداءً، منها 1322 نفذتها قوات الاحتلال، و497 نفذها المستوطنون. وتركزت هذه الاعتداءات بشكل رئيسي في محافظات الخليل (321 اعتداءً)، ونابلس (315)، ثم رام الله والبيرة (292)، والقدس (203)، في مؤشر واضح على كثافة الاستهداف في هذه المناطق.
سياسة ممنهجة
قال المختص في الشأن الإسرائيلي، عمر جعارة، إن التصاعد الأخير في اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية ليس تطورًا عفويًا، بل يأتي في إطار سياسة إسرائيلية ممنهجة تقودها حكومة اليمين، بهدف فرض واقع جديد على الأرض ودفع الفلسطينيين نحو الرحيل.
وأوضح جعارة، في حديثه لـ"الاستقلال"، أمس الأحد، أن وجود حكومة يمينية متطرفة يشكل عاملًا رئيسيًا في تصعيد هذه الاعتداءات، مشيرًا إلى أن الخطاب الرسمي الإسرائيلي بات أكثر وضوحًا في تبني روايات دينية وتاريخية تبرر السيطرة على الضفة الغربية، والتعامل معها باعتبارها "أرض الآباء والأجداد".
وأكد أن جيش الاحتلال لا يقف على الحياد، بل يوفر الحماية للمستوطنين أثناء تنفيذ اعتداءاتهم، ما يعكس تكاملًا بين المؤسسة العسكرية والمستوطنين على الأرض، ويعزز مناخ الإفلات من العقاب.
وأشار إلى أن الصمت الدولي، إلى جانب التحريض الحكومي الإسرائيلي، يسهم في تشجيع هذه الانتهاكات واستمرارها، معتبرًا أن غياب ردع دولي حقيقي يمنح غطاءً سياسيًا لتصعيد العنف.
وشدد جعارة على أن صمود الفلسطينيين وتمسكهم بأرضهم يشكلان عاملًا حاسمًا في مواجهة هذه السياسات، داعيًا إلى تعزيز هذا الصمود عبر دعم رسمي وشعبي، إلى جانب تكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية لفضح الانتهاكات وحشد موقف دولي أكثر فاعلية.
سياسة السيطرة
من جانبه، أكد المختص في شؤون الاستيطان، علاء الريماوي، أن تصاعد اعتداءات المستوطنين ليس عفويًا، بل يأتي ضمن سياسة إسرائيلية ممنهجة ومدعومة من مستويات عليا في حكومة الاحتلال، وتهدف إلى فرض سيطرة واسعة على الأراضي الفلسطينية، خاصة في مناطق "ج".
وأوضح الريماوي، في حديثه لـ"الاستقلال"، أن هذا التصعيد يندرج ضمن مشروع استيطاني تقوده شخصيات نافذة في حكومة الاحتلال، من بينها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ويستهدف إحكام السيطرة على نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، من خلال التضييق على الوجود الفلسطيني في المناطق الحيوية، لا سيما الأحواض المائية والمناطق القابلة للتوسع العمراني.
وأضاف أن الاحتلال يعمل بشكل ممنهج على تفريغ مناطق "ج" من سكانها الفلسطينيين عبر أدوات متعددة، أبرزها اعتداءات المستوطنين، وهدم المنازل، ومنع البناء، إلى جانب خلق بيئة طاردة تدفع السكان إلى النزوح نحو المدن، مشيرًا إلى أن مناطق مثل الأغوار ومسافر يطا ومحيط "E1" شهدت بالفعل تراجعًا في الوجود الفلسطيني نتيجة هذه السياسات.
وأشار إلى أن إطلاق يد المستوطنين يتم ضمن غطاء أمني واضح، ما يعكس تكاملًا بين المؤسسة العسكرية والمستوطنين في تنفيذ هذه السياسات، ويعزز قدرتهم على فرض وقائع جديدة على الأرض.
وحذر الريماوي من أن الصمت الدولي، إلى جانب التحريض السياسي داخل إسرائيل، يشجع على استمرار هذه الاعتداءات ويمنحها غطاءً غير مباشر، في ظل غياب إجراءات رادعة.
ويرى أن مواجهة هذه السياسات تتطلب مقاربة شاملة، تشمل فضح ممارسات المستوطنين دوليًا وملاحقتهم قانونيًا، وتعزيز صمود الفلسطينيين، وتطوير منظومة حماية مجتمعية، في إطار رؤية وطنية موحدة، خاصة في ظل تصاعد الطابع الدموي للاعتداءات.


التعليقات : 0