غزة/ دعاء الحطاب:
أكد مدير مركز المعلومات الصحية في وزارة الصحة م. زاهر الوحيدي، أن المنظومة الصحية بعد أكثر من عامين على الحرب المستمرة على قطاع غزة، لا تزال تعيش واحدة من أسوأ مراحلها على الإطلاق، وسط انهيار واسع بالبنية التحتية الطبية وتراجع حاد في القدرة على تقديم الخدمات الأساسية، بوقت تتصاعد فيه أعداد الضحايا والجرحى بشكل غير مسبوق.
وتشير المعطيات إلى أن الحرب خلفت أكثر من 72,200 شهيد وأكثر من 172,000 مصاب، غالبيتهم من الأطفال وكبار السن، فيما سُجل منذ 10 أكتوبر وحتى الآن أكثر من 715 شهيداً وأكثر من 2000 مصاب، في استمرار لحصيلة دامية تعكس حجم الكارثة الإنسانية.
وأوضح الوحيدي خلال حديثه لـ "الاستقلال"، أن مستشفيات القطاع تعيش ضغطاً هائلاً وانهياراً في القدرة التشغيلية، فمن أصل 38 مستشفى كانت تعمل قبل الحرب، خرج أكثر من 22 مستشفى عن الخدمة بشكل كامل، بينما تعمل الان 18 مستشفى فقط بشكل جزئي وبإمكانيات محدودة لا تلبي الحد الأدنى من الاحتياج.
وبين أن مراكز الرعاية الصحية الأولية تعرضت لضربة قاسية، إذ انخفض عدد المراكز العاملة بذروة الحرب إلى 67 مركزاً فقط من أصل 157 مركزاً، قبل أن يتمكن القطاع الصحي، بجهود محلية، من إعادة تشغيل عدد منها ليصل العدد حالياً إلى 92 مركز رعاية صحية، في محاولة لإعادة الحد الأدنى من الخدمات الأساسية للسكان.
وفيما يتعلق بالقدرة السريرية للمستشفيات، فقد تراجعت بشكل حاد من 3580 سريراً قبل الحرب إلى أقل من 1980 سريراً خلال فترة الحرب، أي بانخفاض تجاوز 55%، ورغم بعض الجهود المحلية والدعم المحدود، ارتفع العدد مجدداً إلى نحو 2930 سريراً، إلا أن الفجوة ما زالت كبيرة أمام الاحتياج الحقيقي. وفق الوحيدي.
وأشار إلى أن أقسام العناية المركزة، أيضاً شهدت انهياراً واضحاً، إذ تراجع عدد أسرّتها من 312 سريراً إلى 190 سريراً خلال الحرب، مع محاولات مستمرة لتعزيزها بدعم من مؤسسات ومنظمات صحية، دون الوصول إلى القدرة السابقة.
ونوه إلى أن غرف العمليات، انخفضت من 105 غرفة إلى أقل من 49 غرفة فقط، مما انعكس بشكل مباشر على حجم التدخلات الجراحية، فقد تراجع عدد العمليات اليومية من 350–400 عملية قبل الحرب إلى أقل من 200 عملية، واقتصر معظمها على الحالات الطارئة، بينما توقفت العمليات المجدولة لفترات طويلة، قبل أن تبدأ بالعودة تدريجياً عبر تعاون المستشفيات الميدانية والأهلية.
وقال:" أن خدمات حديثي الولادة أيضا تعرضت لضربة كبيرة، إذ انخفض عدد أسرّة الحضانات والعناية من 162 سريراً إلى 82 سريراً فقط، في ظل ضغط متزايد على هذا القسم الحيوي".
وأضاف:" كذلك لم تسلم الخدمات التخصصية من الانهيار، حيث توقفت بشكل كامل عدة خدمات رئيسية، من بينها جراحة القلب المفتوح التي كانت تُجرى بمعدل يقارب 500 عملية سنوياً، إضافة إلى زراعة الكلى، وزراعة القرنيات، وعمليات زراعة المفاصل".
أما القسطرة القلبية، فقد شهدت تراجعاً حاداً، إذ انخفض عدد العمليات من أكثر من 6000 عملية سنوياً قبل الحرب إلى نحو 270 عملية فقط في عام 2024، قبل أن يرتفع العدد بشكل جزئي إلى نحو 1000 عملية خلال عام 2025 في مستشفى القدس، الذي أصبح تقريباً المركز الوحيد الذي يقدم هذه الخدمة بعد تدمير أو توقف معظم المراكز الأخرى مثل مستشفى الحياة والمستشفى الأوروبي وبعض المستشفيات الخاصة. بحسب الوحيدي.
وفيما يتعلق بملف غسيل الكلى، كشف مدير مركز المعلومات الصحية بالوزارة، عن أزمة إنسانية إضافية، إذ كان يعمل 194 جهاز غسيل كلى يخدم أكثر من 1026 مريضاً قبل الحرب، بينما تراجع العدد بشكل كبير ليصل إلى 676 مريضاً يتلقون العلاج حالياً، مع فقدان أكثر من 42% من مرضى الكلى نتيجة تراجع الخدمات الصحية، في وقت كان يفترض فيه أن يصل العدد إلى نحو 1400 مريض بفعل الزيادة الطبيعية السنوية في الحالات والتى تصل لـ 1.8%.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو المنظومة الصحية في غزة أمام تحدٍّ وجودي، حيث تعمل بأقل من نصف قدرتها السابقة، وسط ضغط هائل ونقص حاد في الإمكانيات، ما يجعل استمرار تقديم الرعاية الصحية تحدياً يومياً يتجاوز حدود القدرة البشرية والمادية.
الأزمة تتفاقم
وتتفاقم أزمة القطاع الصحي في قطاع غزة مع استمرار أزمة الوقود والمولدات الكهربائية، التي باتت تشكل أحد أخطر التحديات أمام استمرار تقديم الخدمات الطبية، في ظل اعتماد شبه كامل على المولدات بعد تراجع استقرار إمدادات الكهرباء.
وقال الوحيدي: "أن قبل الحرب كان القطاع الصحي يعتمد بشكل جزئي على 110 مولدات كهربائية، بينما كانت المستشفيات مرتبطة بشكل أساسي بشبكة كهرباء مستقرة تقل فيها الانقطاعات. أما اليوم، فقد تراجع عدد المولدات العاملة إلى 39 مولداً فقط، تعمل بشكل كامل وعلى مدار الساعة دون توقف منذ أكثر من عامين، ما أدى إلى استنزافها بشكل كبير".
واضاف: "أن التشغيل المستمر دون صيانة كافية أو توفر قطع الغيار والزيوت اللازمة يضع هذه المولدات على حافة التوقف في أي لحظة، في ظل ظروف تشغيل قاسية ونقص حاد في المستلزمات الأساسية. ومع غياب الإمدادات المنتظمة، باتت احتمالية توقفها تشكل تهديداً مباشراً لاستمرارية العمل داخل المستشفيات".
وأشار الى أنه في تطور خطير، تم الإعلان قبل أيام عن توقف المولد الرئيسي في مستشفى ناصر الطبي، بقدرة 1.25 ميغاوات (ما يعادل نحو 1500 كيلوواط)، وهو المولد الأساسي الذي يعتمد عليه المستشفى في تشغيل أقسامه الحيوية، منوها أن هذا التوقف أجبر الطواقم الطبية على تشغيل المولد الاحتياطي، الذي لا يوفر نفس القدرة التشغيلية، ما انعكس بشكل مباشر على مستوى الخدمات المقدمة داخل المستشفى.
وأكد أن الأزمة تزداد تعقيداً مع النقص الحاد في زيوت تشغيل المولدات، حيث تشير المعطيات إلى أنها غير متوفرة في السوق المحلي، وفي حال توفرها فإنها تباع بأسعار باهظة قد تصل إلى أكثر من 1200 شيكل للتر الواحد، ما يجعل توفيرها شبه مستحيل في ظل الظروف الحالية.
هذا الواقع يضع المنظومة الصحية أمام تحديات وجودية حقيقية، إذ إن أي توقف إضافي للمولدات يعني شللاً كاملاً في خدمات حيوية مثل العناية المركزة، وحضانات الأطفال، وغرف العمليات، وغسيل الكلى، وهي خدمات لا تحتمل الانقطاع، ويؤدي توقفها إلى تهديد مباشر لحياة المرضى في أي لحظة. بحسب الوحيدي.


التعليقات : 0