انحياز لـ «إسرائيل»… ميلادينوف يلوّح بالتصعيد لفرض شروطه في ملف السلاح

انحياز لـ «إسرائيل»… ميلادينوف يلوّح بالتصعيد لفرض شروطه في ملف السلاح
تقارير وحوارات

غزة / معتز شاهين:
في وقت تتواصل فيه المفاوضات في القاهرة لبحث الانتقال إلى المرحلة الثانية من التهدئة في قطاع غزة، تتصاعد انتقادات من قبل مراقبين ومحللين لأداء المبعوث الدولي نيكولاي ميلادينوف، وسط اتهامات بعدم التزام الحياد في إدارة هذا المسار. ويرى هؤلاء المراقبون أن تحركاته وتصريحاته التي يلوح فيها بإمكانية عودة الحرب، تعكس انحيازًا للموقف الإسرائيلي، من خلال ممارسة ضغوط سياسية على فصائل المقاومة لدفعها نحو قبول شروط تُعدّ أساسية لدى «إسرائيل»، وعلى رأسها ملف سلاح المقاومة.

كما يشير محللون في أحاديث منفصلة مع صحيفة «الاستقلال» أمس الأحد، إلى أن نمط الوساطة القائم، منذ توليه مهامه، يعتمد على إطالة أمد التفاوض وإدارته بشكل متقطع بين التهدئة والتصعيد، الأمر الذي يفاقم الأزمة الإنسانية في قطاع غزة بدلًا من معالجتها.
وتكشف معطيات جديدة عن تعثر واضح في الجهود الرامية إلى دفع مسار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة إلى الأمام، وسط أجواء مشحونة وضغوط سياسية متصاعدة، في ظل حراك تفاوضي مكثف تشهده القاهرة. وكشفت مصادر مطلعة عن تفاصيل تتعلق بجولات التفاوض التي شهدتها العاصمة المصرية خلال الأيام الأخيرة، بمشاركة وفود من القوى الفلسطينية والوسطاء، ومبعوث ما يُعرف بـ»مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف.
وبحسب المصادر، فإن اللقاء الذي جمع ميلادينوف بوفد حركة حماس مساء الثالث عشر من أبريل/نيسان، اتسم بطابع “عاصف ومتوتر”، ولم يُفضِ إلى أي نتائج حاسمة، في ظل إصرار المبعوث على طرح خطة تتضمن نزع سلاح المقاومة، دون تقديم استجابة ملموسة للمطالب الفلسطينية، وعلى رأسها وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وتحسين الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، وإطلاق مسار سياسي حقيقي يفضي إلى إقامة دولة فلسطينية.
وقالت تقارير متداولة على صلة بمباحثات القاهرة إن المبعوث الدولي نيكولاي ميلادينوف نقل إلى حركة حماس، خلال لقاءات مرتبطة بترتيبات المرحلة الثانية من التهدئة في غزة، رسائل تضمنت تحذيرات من تداعيات رفض المقترحات المطروحة، بما في ذلك احتمال العودة إلى التصعيد العسكري.
وفي المقابل، اعتبرت حركة حماس أن الطروحات المقدمة غير متوازنة، إذ تركز على الجوانب الأمنية دون تقديم ضمانات كافية بشأن الالتزامات الإنسانية للمرحلة الأولى من الاتفاق، بما في ذلك إدخال المساعدات ووقف العمليات العسكرية بشكل كامل.
دور موجه
ويعتبر المحلل السياسي عدنان الصباح أن دور المبعوث الدولي نيكولاي ميلادينوف في المفاوضات الجارية في القاهرة بشأن غزة لا يمكن وصفه بالحياد، مشيرًا إلى أن تصريحاته الأخيرة تعكس ممارسة ضغوط سياسية على الفصائل الفلسطينية أكثر من كونها وساطة متوازنة.
بشأن تصريحات ميلادينوف المتعلقة بإمكانية عودة «إسرائيل» إلى الحرب في حال عدم موافقة حركة حماس على تسليم سلاحها، يقول الصباح، لـ»الاستقلال»: « إن ميلادينوف “ليس وسيطًا محايدًا”، بل هو “جزء من منظومة سياسية أمريكية أوسع”، أن دوره “لا يخرج عن سياق الأهداف الإسرائيلية في قطاع غزة».
ويضيف «أن المفاوضات والاتصالات التي يجريها المبعوث الدولي، ومنذ تعيينه، تقوم على “إدارة الوقت وإطالة أمد الأزمة، عبر مسارات تفاوض متقطعة بين التهدئة والتصعيد، بما ينعكس سلبًا على الواقع الإنساني في قطاع غزة».
يرى الصباح أن لغة التحذير أو التهديد التي تظهر في بعض التصريحات السياسية المرتبطة بالوساطة تُستخدم للضغط على الفصائل الفلسطينية ودفعها نحو قبول شروط إسرائيلية، بينها ملف تسليم السلاح، معتبرًا أن ذلك يهدف إلى “إضعاف الموقف التفاوضي الفلسطيني”.
استبعد الصباح أن تُحدث تلك التهديدات تغييرًا جوهريًا في مواقف الفصائل، مشيرًا إلى أن الفصائل “تملك خبرة طويلة في التعامل مع مسارات التفاوض والصراع”، وأنها تدرك طبيعة الأهداف السياسية المطروحة.
لكنه أشار في الوقت نفسه إلى وجود “إشكالية في إدارة الرواية السياسية”، موضحًا أن الخطاب الدولي يركز على مطلب تسليم السلاح، في حين لا يتم تسليط الضوء بشكل كافٍ على التزامات أخرى مرتبطة بالاتفاقات الإنسانية وفتح المعابر والوضع الصحي في غزة.
وحول مستقبل التهدئة، قال الصباح إن المؤشرات الحالية لا تعكس تقدمًا حقيقيًا نحو تسوية مستقرة، محذرًا من أن استمرار الضغط السياسي وتبادل الرسائل التحذيرية قد يبقي الوضع في دائرة “التصعيد المؤجل” بدلًا من الوصول إلى اتفاق نهائي.
انحياز وسيط
بدوره، يرى الكاتب والمحلل السياسي فايز السويطي أن دور نيكولاي ميلادينوف يتجاوز إطار الوساطة التقليدية، ليقترب من تبني مقاربات سياسية تعكس توجهات أميركية وإسرائيلية في إدارة مسار التفاوض.
ويضيف السويطي في لـ «الاستقلال» أن ميلادينوف لا يتحرك بوصفه وسيطًا محايدًا بين الأطراف، بل يأتي ضمن منظومة سياسية أوسع، مشيرًا إلى أن “الأفكار التي تُطرح على لسانه يتم إعدادها ضمن دوائر سياسية في تل أبيب، ثم تُقدَّم عبر منصات دولية أو أممية تحت عناوين دبلوماسية”.
ويتابع أن التصريحات المنسوبة لميلادينوف، والتي تتضمن التلويح بإمكانية عودة «إسرائيل» إلى الحرب في حال عدم موافقة حركة حماس على تسليم سلاح المقاومة، تمثل أحد أشكال الضغط السياسي المباشر على الفصائل الفلسطينية، بهدف دفعها نحو تقديم تنازلات جوهرية في ملفات تعتبرها المقاومة مركزية في أي تسوية محتملة.
وفي هذا السياق، يشير السويطي إلى أن هذا الخطاب لا ينفصل عن محاولة إعادة صياغة ميزان التفاوض، بحيث يُحمَّل طرف واحد مسؤولية التعثر، في حين يتم التغاضي عن دور الاحتلال في تعطيل تنفيذ الالتزامات السابقة أو المماطلة في تطبيق بنود التهدئة. كما يلفت إلى أن الفصائل الفلسطينية تتعامل مع هذا المسار التفاوضي بحذر شديد، مدركة لطبيعة الأهداف المبطنة وراء بعض الطروحات الدولية، وهو ما يدفعها إلى اعتماد سياسة مرنة تقوم على المناورة السياسية، بهدف الحفاظ على أوراق القوة، وفي مقدمتها ملف السلاح، باعتباره عنصرًا استراتيجيًا في أي معادلة مستقبلية.
ويربط السويطي هذا الحذر الفلسطيني بالتطورات الإقليمية الأوسع، مشيرًا إلى أن المشهد لا يمكن فصله عن حالة التوتر المتصاعدة بين إيران وحلفائها من جهة، والولايات المتحدة و»إسرائيل» من جهة أخرى، وهو ما يفتح – برأيه – المجال أمام إعادة تشكيل موازين القوى في الإقليم، الأمر الذي ينعكس مباشرة على سلوك الفصائل الفلسطينية في إدارة التفاوض.
ويخلص السويطي إلى أن مثل هذه التصريحات، رغم تأثيرها في رفع مستوى الضغط السياسي والإعلامي على المقاومة، لن تؤدي بالضرورة إلى إحداث تحول جذري في مواقف الفصائل، التي ما زالت – وفق تقديره – تمتلك أوراق قوة قادرة على ضبط إيقاع التعامل مع أي تصعيد محتمل، سواء على المستوى السياسي أو الميداني.

التعليقات : 0

إضافة تعليق