جرح نازف في شريان حياة النازحين

عشرات التكايا تطفئ نيرانها بسبب غياب الدعم

عشرات التكايا تطفئ نيرانها بسبب غياب الدعم
القدس واللاجئين

غزة /أنس أبو عقلين:
​لم تكن "التكية" في قطاع غزة مجرد مكان لتوزيع الطعام الخيري؛ بل كانت بمثابة شريان الحياة الأخير لمئات آلاف العائلات التي فقدت مصادر رزقها ومنازلها تحت وطأة الحرب والحصار.
كانت أواني الألومنيوم الضخمة التي تغلي على حطب الشجر أو مخلفات الركام هي الملاذ الوحيد للحصول على وجبة ساخنة تسد رمق الأطفال.
​واليوم، مع ارتفاع أسعار المواد التموينية الأساسية، وشبه غياب للحطب والوقود، إلى جانب غياب الدعم من قبل المبادرين والجمعيات الخيرية، توقفت معظم هذه التكايا عن العمل، ليتوقف معها الشريان الذي كان يحمي آلاف الأسر من الجوع المباشر.
صرخات في وجه الجوع:
وسط ظروف قاسية، يقول محمد أبو سعدة بنبرة يكسوها العجز وهو ينظر إلى طفله الذي يحمل وعاءً فارغاً:​"كنا ننتظر طابور التكية يومياً بفارغ الصبر. كانت هي المرة الوحيدة في اليوم التي نضمن فيها وجبة مطبوخة تُشبع أولادنا، سواء كانت عدساً أو أرزاً، اليوم، التكية في منطقة بير 19 بمواصي خانيونس أغلقت أبوابها لأن الحطب والمواد التموينية فقدت بسبب تراجع الدعم المقدم لتشغيل التكايا من المبادرين، أصبحت أستحي من نظرات أطفالي عندما يسألونني: (بابا، اليوم في تكية ولا لأ؟). لا أعرف كيف سأطعمهم غداً."

​وفي أقصى غرب خان يونس، حيث تضج منطقة "المواصي " بآلاف الخيام المقامة على الرمال، يصف شادي ابو عمرة الوضع المعيشي بعد إغلاق مطبخ المساعدات العالمي بالصعب.
يقول :​"الناس هنا لا تملك المال لشراء الخضار واللحوم من السوق بأسعارها الفلكية. الاعتماد المباشر لـ 90% من العائلات في المواصي كان على التكية،توقفها يعني ببساطة أننا نعود الى فترة المجاعة، التكية كانت تستر عورات آلاف البيوت المستورة التي تعففت عن السؤال."


​داخل "مخيم أصداء"، يوضح عرفات عليان حجم الكارثة الاجتماعية الناتجة عن توقف أواني الطهي الخيرية في المنطقة التي ينزح فيها.
يقول:" إن المشهد مرعب؛ أطفال يحملون (أوانيهم) ويدورون بين الخيام بحثاً عن أي مطبخ يعمل، لكن دون جدوى. التكية لم تكن توفر الأكل فقط، بل كانت توفر الأمل وتخفف من الاحتقان والضغط النفسي اليومي. توقفها يُدخل المخيم في حالة جوع حقيقي لا يمكن ترميمها بالمساعدات الشحيحة."

​وعلى مقربة من أبراج مدينة حمد التي طالها الدمار، يتحدث فادي فرج عن الخيارات الضيقة التي آلت إليها العائلات:​"في مدينة حمد والمناطق المحيطة بها، كان المتطوعون يبذلون قصارى جهدهم لإبقاء التكية تعمل رغم كل الظروف. ولكن عندما لا تجد زيتاً ولا بصلاً ولا حتى حطباً تشعل به النار، ماذا تفعل؟ توقُّف التكية جعلنا أمام حقيقة مرّة: إما أن تشتري علبة معلبات واحدة بسعر خيالي، أو تصوم رغماً عنك. نحن نعيش مجاعة حقيقية صامتة."

​مأساة مرشحة للتفاقم:
​تُظهر هذه الشهادات الميدانية من مختلف مناطق خان يونس والمواصي أن غياب التكايا يمثل انقطاع خط الدفاع الأخير بين السكان والمجاعة الكاملة. ومع استمرار إغلاق المعابر ونفاد المخزون الغذائي لدى المبادرات الشبابية والجمعيات الإغاثية، تتزايد التحذيرات من كارثة صحية وإنسانية قد تطال الأطفال وكبار السن بشكل خاص.
سبب التوقف
وعن سبب توقف التكايا عن العمل في كثير من مخيمات النزوح بقطاع غزة، يقول أبو سائد حمدان ، وهو مشغل لتكية في مواصي خان يونس: بعد سنة ونصف من العمل ومؤازرة النازحين، اضطررنا اليوم لوقف التكية، بسبب شح الدعم والتفات المبادرين والجمعيات إلى مشاريع أخرى".

ويضيف: كنا نقدم للمخيم الذي نعمل فيه ٣٠ قدرا من الطعام يوميا، تكفي لسد رمق عشرات العائلات النازحة، وبعد توقف الدعم أطفأنا نار التكية مع الأسف" داعيا أصحاب الجمعيات الخيرية والمبادرات إلى تجديد دعم التكايا لإغاثة النازحين، خاصة أن كثيرا منهم كان يعتمد بنسبة عالية على وجبة التكية.
​يبقى رجاء الأهالي في غزة محصوراً في فتح المعابر وإدخال الإمدادات الغذائية والوقود فوراً، لتعود تلك النيران إلى الاشتعال في أواني التكايا، لا لتطبخ الطعام فحسب، بل لتبث الحياة في أجساد أرهقها الحصار والجوع.

التعليقات : 0

إضافة تعليق