غزة/ خالد داود:
على سطح مبنى سكني متضرر في حي تل الهوى بمدينة غزة، يقف النحّال الفلسطيني إبراهيم الضبّة (49 عامًا) بين صناديق تحيط بها أسراب النحل، محاولًا إعادة بناء مهنة رافقته لأكثر من ثلاثة عقود، بعدما دمرت الحرب مناحله وألحقت أضرارًا واسعة بالقطاع الزراعي الذي يعتمد عليه مربو النحل. وتحت غطاء خشبي صغير، تتجمع آلاف النحلات في حركة لا تهدأ، بينما يتداخل طنينها مع أصوات مدينة لا تزال تحمل آثار الحرب. وبحذر، يقترب الضبّة من إحدى خلاياه، يرفع غطاءها ويتفقد الأقراص، قبل أن يعيد إغلاقها وينتقل إلى خلية أخرى.
مشهد يبدو بعيدًا عن الصورة التي اعتادها الضبّة طوال سنوات عمله؛ فقبل الحرب كان يمتلك مئات الخلايا الموزعة في الحقول والمناطق الزراعية شرق مدينة غزة، أما اليوم، فيحاول إعادة بناء منحلته من جديد فوق الركام، بعدما فقد منزله وخلاياه ومعدات عمله.
بداية جديدة فوق الركام
يقول الضبّة لـ «الاستقلال» إنه بعدما وجد خلاياه قد دُمرت، وتضررت معظم الأراضي الزراعية التي كانت توفر للنحل بيئة مناسبة للتغذية، قرر أن يبدأ من جديد بما يستطيع توفيره من معدات، مستعينًا ببعض بقايا خلاياه المدمرة.
ووفق الضبّة، دفع قرابة 10 آلاف شيكل، أي نحو 3,245 دولارًا، مقابل ثلاث خلايا نحل فقط، من دون احتساب تكلفة المعدات اللازمة لتربيتها.
وبعد أن بدأ بثلاث خلايا، تمكن من زيادة العدد إلى نحو 35 خلية، يعمل على رعايتها إلى جانب أبنائه فوق سطح المبنى المتضرر. ويردف أنه اضطر إلى نقل خلاياه من مناطق التربية التقليدية بين الحقول والبساتين إلى سطح مبنى متضرر، لكونه المكان الوحيد المتاح، مشيرًا إلى أن مساحات واسعة من الأراضي الزراعية ومناطق الرعي التي كان النحالون يعتمدون عليها أصبحت بعيدة المنال أو شديدة الخطورة. ويضيف: «النحل يحتاج إلى الأشجار، ونحن نربي النحل بين الركام». ويتابع: «لا نستطيع وضع الخلايا في المناطق المفتوحة أو الزراعية القريبة من الحدود، لأنها مناطق لا يمكن الوصول إليها».
وتكشف تجربة الضبّة حجم التحول الذي طرأ على مهنة تربية النحل في غزة؛ فالنحّال الذي كان يعتمد على الأراضي الزراعية والمناطق الغنية بالنباتات المزهرة، أصبح مضطرًا إلى تربية خلاياه في بيئة حضرية متضررة، مع صعوبة الوصول إلى مصادر الغذاء الطبيعية للنحل.
وبالنسبة إلى الضبّة، رئيس الجمعية التعاونية لمربي النحل في قطاع غزة، لا يمثل المشروع مجرد وسيلة لكسب الرزق، بل محاولة لاستعادة مهنة توارثتها عائلته، والحفاظ على قطاع تضرر بشدة منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
تحديات عدة
وتواجه عودة الضبّة المحدودة إلى تربية النحل وإنتاج العسل تحديات عديدة، في ظل نقص مستلزمات الإنتاج والافتقار إلى البيئة المناسبة لتغذية النحل.
ويردف: «نفتقد إلى كل شيء تقريبًا؛ بيئة معدومة، ولا توجد إطارات خشبية، ولا شمع أساس، ولا أدوية أو علاجات خاصة بالنحل، وحتى الصناديق الخشبية غير متوفرة».
وبحسب الضبّة، تحد القيود المفروضة على دخول هذه المعدات إلى القطاع من قدرة النحالين على زيادة أعداد الخلايا وإعادة تشغيل المناحل التي تضررت خلال الحرب.
ويشير الضبّة إلى أن النحالين كانوا ينقلون خلاياهم إلى الأراضي الواقعة شرقي شارع صلاح الدين للاستفادة من الحقول والأشجار والنباتات المزهرة، لكن سيطرت الاحتلال على أجزاء واسعة من تلك المناطق جعل الوصول إليها شديد الخطورة.
ويتابع: حرمنا هذا الواقع من مناطق كانت تمثل مصادر رئيسية لتغذية النحل، ودفعنا إلى البحث عن أماكن بديلة داخل المناطق السكنية، وبين ركام المنازل المدمرة. ويقول الضبّة إن بعض النحالين اضطروا إلى وضع خلاياهم فوق أسطح المباني، بينما يلجأ آخرون إلى استخدام مكملات السكر لتوفير الغذاء للنحل في الأماكن التي لم تعد تتوافر فيها مصادر كافية من النباتات المزهرة.
دورة حياة مهددة
ولا تقتصر أهمية تربية النحل على إنتاج العسل، إذ يؤدي النحل دورًا أساسيًا في تلقيح العديد من المحاصيل الزراعية، ما يجعل تراجع أعداد الخلايا وتضرر مناطق الرعي مشكلة تتجاوز مربي النحل إلى القطاع الزراعي بصورة عامة.
وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) إلى حجم الضرر الذي أصاب القطاع الزراعي في غزة؛ فقد أظهرت تقييمات سابقة للمنظمة بالتعاون مع مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT) تضرر أكثر من 80% من الأراضي الزراعية، فيما أصبحت نسبة كبيرة منها غير متاحة للمزارعين. ويبين الضبّة أن هذا التراجع في المساحات الزراعية والغطاء النباتي ينعكس بصورة مباشرة عليهم «النحالين»، حيث يعتمدون على الأشجار والمحاصيل والنباتات المزهرة لتوفير مصادر الغذاء الطبيعية لخلاياهم.
خسائر فادحة
ويقول الضبّة أنه كان يمتلك قبل الحرب أكثر من 400 خلية نحل موزعة في شرق مدينة غزة، إلى جانب معدات لتربية النحل وإنتاج العسل، ومرافق للتخزين، ومركبة يستخدمها في عمله، مشيراً إلى أن الاحتلال دمر خلاياه ومعداته ومنزله، مقدّراً خسائره المالية بأكثر من 350 ألف دولار. ولا تعكس خسارة «الضبة» حجم الضرر الذي لحق بالقطاع وحده، إذ تعرضت المناحل ومعدات مربي النحل ومناطق الرعي والغطاء النباتي لأضرار واسعة، ما أدى إلى تراجع حاد في أعداد الخلايا والإنتاج.
وبحسب بيانات الجمعية التعاونية لمربي النحل في قطاع غزة، التي يرأسها الضبّة، بلغت خسائر قطاع إنتاج العسل وتربية النحل نحو 39 مليون دولار منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويقول الضبّة إن عدد خلايا النحل في غزة كان يبلغ نحو 30 ألف خلية قبل الحرب، وكانت ترفد السوق المحلية بما بين 380 و400 طن من العسل سنويًا، بينما يقدّر عدد الخلايا المتبقية حاليًا بنحو 700 خلية. ومع تقلص أعداد الخلايا، لجأ بعض النحالين إلى تقسيم الخلايا للمساعدة في الحفاظ على أعدادها، فيما تراجع إنتاج العسل إلى نحو 10% من مستواه قبل الحرب، وفق تقديرات الضبّة.
ويضيف الضبّة: «كان لدينا نحو ألف نحّال من مختلف الأعمار، وكان القطاع يوفر فرص عمل لآلاف الأشخاص، وكنا ننتج كميات جيدة من العسل».
وبينما يواصل النحل حركته داخل الصناديق الخشبية، يبقى مستقبل هذه المهنة مرتبطًا بقدرة المزارعين والنحالين على الوصول إلى الأراضي الزراعية، وتوافر مستلزمات الإنتاج، وعودة الغطاء النباتي الذي يشكل المصدر الطبيعي لغذاء النحل، في ظل قيود واعتداءات إسرائيلية تهدم كل محاولة بناء جديدة في قطاع غزة.


التعليقات : 0