غزة/ آية عبد العال:
فقدت آلاف النساء الحوامل في قطاع غزة، منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أبسط مقومات الحمل الآمن، بعدما أجبرهن النزوح والعيش في الخيام ومراكز الإيواء على مواجهة ظروف قاسية، تزامنت مع تراجع خدمات الرعاية الصحية ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية وسوء التغذية. ومع تفاقم الأزمة خلال أشهر المجاعة في عام 2025، تحولت فترة الحمل من انتظار طبيعي للولادة إلى رحلة محفوفة بالمخاطر، تخوضها النساء وسط الخوف ونقص الغذاء والرعاية الطبية وانعدام اليقين بشأن سلامتهن وسلامة أجنتهن.
وتواجه الحوامل مخاطر إضافية نتيجة صعوبة الحصول على الفحوصات والمتابعة الطبية، بينها الولادة المبكرة وانخفاض أوزان المواليد، في وقت ما تزال فيه المرافق الصحية تعمل بإمكانات محدودة وتواجه نقصًا في الأدوية والمعدات والطواقم الطبية.
وتشير تقديرات صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى وجود نحو 50 ألف امرأة حامل في قطاع غزة، فيما تحتاج نحو 15% منهن إلى رعاية طبية متخصصة بسبب مضاعفات مرتبطة بالحمل أو الولادة.
مخاوف مضاعفة
في خيمتها المهترئة بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، تعيش سناء صافي (35 عامًا) شهرها السادس من الحمل، بعدما نزحت من شمال قطاع غزة، وهي تحمل مخاوف مضاعفة على جنينها.
وتقطع سناء مسافات طويلة للوصول إلى عيادة طبية تتابع فيها حملها، وتقف لساعات للحصول على مكملات غذائية تحتاج إليها، لكنها كثيرًا ما تعود دونها بسبب عدم توفرها.
ولا يتوقف قلقها عند نقص الغذاء والرعاية؛ فقد سبق أن أنجبت طفلًا يعاني من تشوهات خلقية، ما جعل حملها الحالي عالي الخطورة وزاد مخاوفها من تكرار التجربة.
وتقول صافي لـ"الاستقلال" :"إن زوجها عاطل عن العمل، وإن الأسرة تعتمد على مساعدات محدودة لا تكفي لتوفير احتياجاتها الغذائية والطبية".
وتضيف" أنها تخشى أن يؤثر نقص الغذاء والمكملات على جنينها، لكنها لا تملك وسيلة لتعويض ما ينقصها، فيما تختصر أمنيتها في أن يخرج طفلها إلى الحياة سالمًا".
مخاض يترقبه الخوف
وبينما تبحث سناء عن الغذاء والمكملات، تعيش رانيا أبو مهادي، نازحة في منطقة النصيرات، خوفًا آخر مع اقتراب موعد الولادة.
رانيا في شهرها الثامن، وأكثر ما يشغلها احتمال بدء المخاض ليلًا أو أثناء قصف مفاجئ، في ظل بُعد المستشفى عن مكان نزوحها، وعدم وجود وسيلة نقل مضمونة نتيجة أزمة المواصلات التي يعانيها القطاع.
وتقول لـ"الاستقلال" : "أحيانًا أخشى أن ألد في الطريق أو داخل الخيمة، حتى النوم أصبح مهمة صعبة بسبب الخوف المستمر".
حمل بلا متابعة
أما أماني المدهون (23 عامًا)، حامل في شهرها الخامس، فتعيش قلقًا مختلفًا بسبب انقطاع المتابعة الطبية المنتظمة.
وتقول المدهون لـ"الاستقلال" إنها لم تتمكن منذ بداية حملها من إجراء فحص السونار أو التحاليل الدورية، كما لا تستطيع متابعة ضغط الدم ومستوى السكر بانتظام بسبب نقص الأجهزة والإمكانات، وبعد المستشفى عن مكان سكنها، وصعوبة المواصلات والتنقل.
وتضيف: "أشعر وكأنني أخوض رحلة الحمل معصوبة العينين، فلا أعرف إن كان طفلي ينمو بصورة طبيعية أم لا".
غذاء لا يكفي
وتظهر آثار نقص الغذاء بصورة أخرى لدى سمر بكر، التي دخلت شهرها الأخير من الحمل.
تقول بكر لـ"الاستقلال" إنها عانت خلال الأشهر الماضية من دوار وإرهاق مستمرين، وتعرضت لحالات إغماء نقلت على إثرها إلى المستشفى، حيث شُخصت حالتها بنقص حاد في الحديد والفيتامينات.
وتؤكد أن أسرتها تعتمد، في ظل بطالة زوجها، على ما توفره تكايا الطعام في مخيمات النزوح، وغالبًا ما يكون من الأرز أو البقوليات، بينما يصعب توفير اللحوم بصورة منتظمة.
وتضيف "أن هذا الغذاء لا يلبي احتياجاتها في أشهر الحمل الأخيرة، فيما يزداد قلقها من الولادة المبكرة أو انخفاض وزن مولودها".
مخاطر على الأم والجنين
ويرى الدكتور محمد زياد، استشاري أمراض النساء والولادة، أن آثار سوء التغذية والحرب لا تزال واضحة على أجساد النساء الحوامل وأجنتهن، موضحًا أن المرأة تحتاج قبل الحمل وأثناءه إلى العناصر الغذائية الأساسية، وهو ما أصبح صعبًا خلال أشهر النقص الغذائي التي عاشها القطاع.
ويقول زياد لـ"الاستقلال" إن نقص الفيتامينات والأملاح والبروتينات لدى النساء الحوامل ينعكس على الأجنة، موضحًا أن مخاطر سوء التغذية تختلف باختلاف مرحلة الحمل؛ ففي الأشهر الأولى قد يزيد نقص عناصر مثل حمض الفوليك والحديد من مخاطر الإجهاض وبعض مشكلات نمو الجنين، بينما قد يؤدي نقص التغذية في المراحل اللاحقة إلى ضعف نمو الجنين والولادة المبكرة وانخفاض وزنه.
ويلفت إلى أن المستشفيات تشهد ولادات مبكرة لأجنة بأوزان وأعمار حملية صغيرة، وهؤلاء الأطفال يحتاجون إلى رعاية طبية متخصصة لفترات أطول، في وقت تعمل فيه المرافق الصحية بإمكانات محدودة.
ويشير زياد إلى تراجع أوزان بعض المواليد، موضحًا أن الوزن الذي كان يصل في السابق إلى نحو 3.5 كيلوغرامات بات في بعض الحالات يقترب من 2.5 كيلوغرام، معتبرًا ذلك مؤشرًا مقلقًا على تأثير الظروف الغذائية والصحية التي مرت بها النساء.
ولا تقتصر المخاوف، وفق زياد، على نقص الغذاء؛ إذ إن التوتر المستمر والإجهاد الجسدي والنفسي بفعل ظروف النزوح أضافا أعباء أخرى على النساء الحوامل، في ظل صعوبة توفير المياه والخصوصية والتهوية، فضلًا عن الحرارة الشديدة داخل الخيام، ما يزيد من إرهاقهن، خصوصًا خلال الأشهر الأخيرة من الحمل، إلى جانب صعوبة الحصول على الرعاية الطبية، ما يزيد من تعقيدات الحمل ويؤثر في صحة الأم والجنين.
ويشير زياد إلى أن انقطاع الفحوصات الدورية لا يمثل مجرد تأخير في المواعيد، بل قد يحرم الحوامل من اكتشاف بعض المضاعفات ومتابعتها في الوقت المناسب، خصوصًا في حالات الحمل التي تحتاج إلى مراقبة مستمرة.
وفي ما يتعلق بالحالات التي يرصدها الأطباء لدى الأجنة، يلفت زياد إلى مخاوف متزايدة من بعض المشكلات الخَلقية واضطرابات النمو، مشيرًا إلى أن تعرض الحوامل بصورة مستمرة للدخان الناتج عن القصف والطهي على النار، والملوثات المرتبطة بظروف الحرب، إلى جانب سوء التغذية والإجهاد، يثير مخاوف صحية بشأن سلامتهن وسلامة الأجنة.
ويؤكد زياد أن الحد من مخاطر الحمل والولادة يتطلب توفير غذاء متوازن ومكملات غذائية أساسية، واستعادة انتظام المتابعة الطبية، إلى جانب تأمين الأدوية والمستلزمات الضرورية للولادة ورعاية حديثي الولادة.


التعليقات : 0