الأسير "أحمد السيقلي".. انتظر احتضان أطفاله الستة فاستقبلته شهادات وفاتهم

الأسير
تقارير وحوارات

غزة/ خالد داود:
ثلاثة أعوام قضاها الأسير أحمد عبد الكريم السيقلي وهو ينتظر يومًا واحدًا؛ يوم تفتح فيه أبواب سجن الاحتلال، ويعود إلى غزة، ليفتح ذراعيه لأطفاله الستة الذين حُرم من رؤيتهم منذ اندلاع الحرب، كان يتخيل لحظة اللقاء، وجوههم التي غابت عنه طويلًا، وأصواتهم وهم يستقبلونه بعد سنوات من الفراق، إلا أن الحرب كانت تخبئ له نهاية أخرى لهذا الانتظار.
عاد السيقلي إلى غزة، لم يجد أطفاله في انتظاره، ولم يسمع أصواتهم التي ظل يشتاق إليها طوال سنوات الأسر، ليجد بدلًا من ذلك أسماءهم على شهادات الوفاة في استقباله؛ ستة أطفال كان يأمل أن يعوضهم عن غيابه، فإذا به يبحث عن قبورهم.
بدأت الحكاية حين وجد السيقلي نفسه عالقًا في الضفة الغربية، حيث كان يعمل، بعد اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، قبل أن تعتقله قوات الاحتلال وتنقله إلى سجونها، ومنذ ذلك الوقت، عاش بين جدران الأسر، يحمل معه قلقًا لا ينقطع على عائلته في غزة، بينما كانت الحرب تلاحق النازحين من مكان إلى آخر، وتحصد الأرواح وتترك خلفها مدنًا مدمرة وبيوتًا خاوية.
ثلاثة أعوام فصلت الأب عن أطفاله، لكنها لم تكن كافية ليفصل قلبه عنهم، ظل يسأل عنهم وينتظر خبرًا يطمئنه عليهم، إلى أن جاءه الخبر الذي لم يكن مستعدًا لسماعه: أطفاله الستة استشهدوا في قصف إسرائيلي استهدف المنزل الذي نزحت إليه عائلته.
شهادات وفاة في الاستقبال!
ويروي الأسير أحمد السيقلي لـ "الاستقلال" إن لحظة الإفراج لم تكن كما تخيلها طوال فترة أسره، إذ كان ينتظر أن يجد أطفاله في استقباله، لكنه عاد ليواجه شهادات وفاة لأطفاله الستة.
ويضيف "أن أطفاله كانوا من أكثر ما يشغل تفكيره خلال فترة احتجازه"، موضحًا أنه ظل يسأل عنهم ويتعلق بأمل رؤيتهم مجددًا، قبل أن يتلقى خبر استشهادهم، فيجد نفسه أمام واقع لم يكن مستعدًا له.
ويتابع: "بدلًا من أن أبحث عن أطفالي لأحتضنهم، وجدت نفسي أبحث عن أماكن دفنهم، وأحاول استيعاب أنهم لم يعودوا موجودين".
ويذكر السيقلي أنه تلقى خبر استشهاد أطفاله أثناء وجوده خارج قطاع غزة، لافتًا إلى أن عائلته كانت قد نزحت من مكان إلى آخر بحثًا عن الأمان، قبل أن تستقر في منزل كان يؤوي عشرات النازحين، لكنه تعرض للقصف، في الوقت الذي لم ينجُ من الهجوم سوى زوجته وابنته، فيما استشهد أطفاله الستة.
أحلام بسيطة
ويصف السيقلي أبناءه، موضحًا أن من بينهم ابنه الأكبر، الذي كان يبلغ من العمر 16 عامًا، وثلاثة توائم في الثامنة من العمر، إلى جانب طفلة رضيعة لم يتجاوز عمرها شهرين، مبينًا أنه لم يرها سوى مرة واحدة.
ويستحضر ذكريات أطفاله، من البحر الذي كان يأخذهم إليه، إلى أحاديثهم الصغيرة عن المستقبل، والأحلام التي كانوا ينسجونها بعيدًا عن أجواء الحرب.
ويؤكد أن أحلام أطفاله كانت بسيطة، لكنها كانت بالنسبة إليهم مستقبلًا كاملًا، مضيفًا أن أكثر ما يؤلمه أنهم حُرموا من فرصة تحقيقها.
ويتابع: "كان لديهم أحلام كبيرة، وهذا ما كسر ظهري، وللأمانة ما زالت الصدمة كبيرة حتى هذه اللحظة".
ألم الأسر وصدمة الإفراج
ويردف الأسير المفرج عنه السيقلي، أنه عاش وبقية الأسرى، تجربة احتجاز يقول إنها تركت آثارًا قاسية عليه. فقد اعتقلته القوات الإسرائيلية في منطقة قلقيلية، بعد أن كان يعمل في الضفة الغربية، ونُقل لاحقًا إلى سجن عوفر الإسرائيلي.
ويؤكد أنه تعرض، خلال اعتقاله، للتقييد والتعصيب والضرب والتحقيق المتكرر، وأنه ومعتقلين آخرين أمضوا أيامًا في ظروف قاسية قبل نقلهم إلى السجن، مضيفا" لم نكن نعرف الأوقات، وكنا نعتمد على الشمس لمعرفة أوقات الصلاة".
لكن قسوة الأسر لم تكن سوى جزء من المأساة؛ فعندما أُفرج عنه ورُحّل إلى قطاع غزة، وجد أمامه واقعًا آخر أكثر قسوة: أطفاله الستة شهداء، مدنًا مدمرة، وأعدادًا كبيرة من النازحين، وخيامًا تمتد في مناطق واسعة من قطاع غزة.
ويشير السيقلي إلى أن حجم الدمار الذي رآه عند عودته فاق توقعاته، وأنه لم يكن قادرًا على استيعاب المشهد.
والاسير السيقلي من سكان حي الشجاعية، ويقيم حاليًا في خيمة نزوح بمنطقة مواصي خان يونس، بينما بقي أبناؤه في غزة، مدفونين تحت ترابها، مضيفًا: "أولادي مدفونين في غزة، وإن شاء الله بدي أروح أزورهم وأقرأ عليهم الفاتحة".
خرج أحمد السيقلي من السجن، لكنه لم يعد إلى الحياة التي تركها خلفه قبل ثلاثة أعوام؛ فالحرية التي انتظرها طويلًا جاءت محمّلة بفقد ستة من أبنائه، بينهم طفلة لم تتح له الحياة فرصة أن يراها تكبر.
وفي خيمة النزوح، يبدأ السيقلي حياة جديدة لا تشبه تلك التي كان يتخيلها يومًا؛ حياة عليه فيها أن يتعامل مع غياب أبنائه، وأن يحمل ذكرياتهم بدلًا من أيديهم، وأن يزور قبورهم بدلًا من احتضانهم.

التعليقات : 0

إضافة تعليق