القدس المحتلة/الاستقلال:
تعيش المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية حالة تأهب متزايدة عشية الذكرى الثالثة لهجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مع تقديرات بإمكانية وقوع تطورات أمنية في أكثر من جبهة، من قطاع غزة والضفة الغربية إلى جنوب لبنان وسوريا والبحر الأحمر، في وقت تراقب فيه "إسرائيل" أيضًا مسار المواجهة مع إيران.
وأوعز وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس، اليوم الثلاثاء، إلى الجيش برفع مستوى الجاهزية والتأهب في قطاع غزة والاستعداد لمختلف السيناريوهات، وقال مكتبه إن معلومات أمنية تشير إلى احتمال محاولة حركة حماس تنفيذ هجمات ضد القوات الإسرائيلية تزامنًا مع ذكرى السابع من أكتوبر.
وحذر كاتس من أن أي استهداف للقوات الإسرائيلية سيقابل برد قاسٍ، وقال إن حماس وسكان قطاع غزة "سيدفعون ثمنًا باهظًا يفوق كل تصور".
ولا تأتي هذه التهديدات في فراغ؛ ففي سبتمبر/أيلول الماضي، كان كاتس قد هدد بأنه في حال اختطاف جندي أو إسرائيلي، فإن الجيش سيوسع عملياته ويجعل مدينة غزة هدفًا مباشرًا، كما ربط أي انسحاب إسرائيلي من مناطق الانتشار في القطاع بنزع سلاح حماس وتفكيك بنيتها العسكرية.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "معاريف"، فإن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تضع قطاع غزة في مقدمة الجبهات التي تحتاج إلى الاستعداد، رغم تقديراتها بأن حماس فقدت جزءًا كبيرًا من قدراتها مقارنة بما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر.
وتقول التقديرات التي أوردتها الصحيفة إن الحركة ما تزال تحاول إعادة بناء قدراتها، فيما يتركز القلق الإسرائيلي حاليًا على احتمال تنفيذ عملية ضد القوات المنتشرة على امتداد ما يسمى "الخط الأصفر"، بما في ذلك محاولة استهداف مواقع عسكرية أو أسر جنود.
ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية شلومي بيندر قوله إن نحو 95% من الأنفاق داخل منطقة "الخط الأصفر" دُمرت، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن حماس تبذل جهودًا لإعادة التسلح، بينما حذر رئيس جهاز "الشاباك" ديفيد زيني من احتمال محاولة الحركة تنفيذ عملية أسر جنود.
وتشير هذه التقديرات إلى أن المؤسسة الأمنية لا تتحدث عن هجوم مؤكد، بل عن سيناريوهات يجري إعداد الخطط للتعامل معها، في وقت يمكن فيه لوقوع حادث كبير عند "الخط الأصفر" أن يغيّر ترتيبات وقف إطلاق النار ويفتح الباب أمام جولة جديدة من القتال.
نتنياهو يرفع السقف
وبالتوازي مع رفع الجيش مستوى التأهب، صعّد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لهجته بشأن غزة والجبهات المحيطة.
وقال نتنياهو، في كلمة ألقاها عشية الذكرى، إن حركة حماس "لن تحكم غزة"، مؤكدًا استمرار ملاحقة المشاركين في هجوم السابع من أكتوبر ومن احتجزوا إسرائيليين.
كما أعلن أن "إسرائيل" ستواصل ضرب حزب الله في لبنان، متحدثًا عن استمرار مواجهة ما وصفه بالتهديد الإيراني، في تصريحات تعكس ربط الحكومة الإسرائيلية بين ملف غزة وبقية جبهات المواجهة الإقليمية.
وتزامنت تصريحات نتنياهو مع حالة سياسية وأمنية شديدة الحساسية؛ إذ تستعد "إسرائيل" لإجراء انتخابات عامة في 27 أكتوبر/تشرين الأول، أي بعد أقل من ثلاثة أسابيع، في أول انتخابات عامة منذ هجوم السابع من أكتوبر والحرب التي تلته.
وبحسب وكالة "رويترز"، يعيد نتنياهو تقديم نفسه في حملته باعتباره السياسي الأكثر قدرة على حماية "إسرائيل" في مواجهة التهديدات الإقليمية، مستندًا إلى خطاب أمني لطالما شكّل جزءًا أساسيًا من صورته السياسية. لكن هجوم السابع من أكتوبر نفسه أضر بهذه الصورة وأصبح من أبرز الملفات التي يواجه بسببها انتقادات داخلية.
الضفة ولبنان وسوريا والبحر الأحمر
ولا تقتصر حالة الاستنفار على غزة. ففي الضفة الغربية، ترى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن الوضع قابل للاشتعال، في ظل استمرار العمليات والاحتكاكات والاقتحامات، وما تعتبره احتمالًا لوقوع هجمات قد تفتح مسارًا أوسع من التصعيد.
وفي جنوب لبنان، تراقب المؤسسة العسكرية تحركات حزب الله، وسط تقديرات بإمكانية لجوئه إلى الطائرات المسيّرة والعبوات الناسفة وأساليب حرب العصابات في حال اندلاع مواجهة جديدة.
أما في سوريا، فتتناول التقديرات الإسرائيلية حوادث تسلل وتحركات مسلحة قرب المواقع العسكرية والحدود، إلى جانب المخاوف من إنشاء بنى عسكرية مرتبطة بإيران وحزب الله وفصائل فلسطينية.
وفي البحر الأحمر وباب المندب، تبقى جماعة الحوثيين ضمن قائمة التهديدات التي تراقبها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، في ظل استمرار الحديث عن قدرتها على استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد أهداف بعيدة وتهديد حركة الملاحة.
إيران.. العامل الذي يربط الجبهات
وتبقى إيران حاضرًا أساسيًا في الحسابات الإسرائيلية، ليس باعتبارها جبهة مستقلة فقط، وإنما بوصفها عنصرًا مؤثرًا في عدد من الساحات، من لبنان وسوريا إلى البحر الأحمر.
وقال نتنياهو في تصريحاته الأخيرة إن "إسرائيل" لن تسمح لإيران بتهديدها، بينما تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن أي تصعيد جديد بين طهران وواشنطن أو بين إيران و"إسرائيل" يمكن أن ينعكس سريعًا على الجبهات الأخرى، ويوسع نطاق المواجهة الإقليمية.
وفي هذا السياق، تبدو المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أمام مشهد مختلف عن السنوات السابقة؛ فبدل التعامل مع جبهة واحدة، تستعد لاحتمالات متزامنة أو مترابطة تمتد جغرافيًا من غزة إلى لبنان وسوريا والبحر الأحمر.
ذكرى 7 أكتوبر تعيد فتح سؤال الإخفاق
وتكتسب حالة التأهب الحالية أهمية إضافية بسبب عودة ملف التحذيرات التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر إلى الواجهة.
ففي كلمة له عشية الذكرى، قال الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إن مجندات المراقبة في قاعدة ناحل عوز رصدن تغيرات قبل الهجوم وحذرن منها، لكن "لم يجمع أحد الصورة الكاملة"، داعيًا إلى التحقيق في كيفية التعامل مع إشارات الخطر التي سبقت الهجوم.
وتزامن ذلك مع استمرار السجال بين نتنياهو ومسؤولين أمنيين سابقين بشأن المسؤولية عن الإخفاق، في وقت ظهرت خلال الأسابيع الأخيرة تقارير عن تحذيرات مصرية وإماراتية ومؤشرات استخبارية إسرائيلية سبقت الهجوم.
ويأتي هذا كله بينما تشير استطلاعات إسرائيلية إلى أن أحداث السابع من أكتوبر ما تزال عاملًا مركزيًا في خيارات الناخبين؛ فقد قال 68% من اليهود الإسرائيليين في استطلاع للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية إن أحداث 7 أكتوبر عنصر "مركزي جدًا أو إلى حد ما" في قرارهم بشأن الحزب الذي سيصوتون له في الانتخابات المقبلة.
ومن هنا، فإن رفع التأهب عشية ذكرى السابع من أكتوبر لا يحمل بعدًا أمنيًا فقط، بل يجري أيضًا داخل بيئة سياسية شديدة الحساسية، يحاول فيها نتنياهو تثبيت صورته كـ"حامي إسرائيل"، بينما يبقى هجوم 2023 والإخفاق الذي سبقه جزءًا أساسيًا من المعركة على المسؤولية والسلطة.
بين التأهب والتصعيد
وتشير مجمل التقارير والتصريحات الإسرائيلية إلى أن الجيش يتعامل مع الساعات المقبلة باعتبارها فترة حساسة، من دون وجود إعلان عن هجوم وشيك محدد، وإنما في ظل سلسلة من السيناريوهات التي تشمل غزة والضفة ولبنان وسوريا والبحر الأحمر.
لكن الجمع بين رفع الجاهزية العسكرية، والتحذيرات العلنية من كاتس، وتصعيد خطاب نتنياهو، واستمرار المخاوف من تحركات على أكثر من جبهة، يجعل الساعات المحيطة بذكرى السابع من أكتوبر محكومة بدرجة عالية من الترقب، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية وتداخل الحسابات الأمنية مع السياسية.


التعليقات : 0