غزة/ دعاء الحطاب:
في ظل الأوضاع المأساوية التي يعيشها سكان قطاع غزة، يبرز توسيع ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" كأحد أبرز المؤشرات على محاولة الاحتلال الإسرائيلي إعادة تشكيل الواقع الميداني، ضمن مقاربة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع الحسابات السياسية والاستراتيجية.
ويستخدم "الخط الأصفر" كمنطقة فاصلة داخل القطاع، غير أن توسيعه، وفق تقديرات مختصين، لم يعد مجرد إجراء أمني مؤقت، بل بات يعكس توجهًا لإعادة هندسة المجال الجغرافي بما يفرض وقائع جديدة على الأرض.
واعتبر مختصون أن هذه الخطوة تمثل، في جوهرها، تحولًا تدريجيًا في قواعد الاشتباك، إذ تقوم تفاهمات التهدئة تقليديًا على تثبيت خطوط تماس واضحة، بينما يعكس التوسيع الحالي إعادة تعريف أحادية لحدود السيطرة الميدانية، خارج الأطر التوافقية.
وبحسب شهود عيان، نقلت قوات الاحتلال مكعبات إسمنتية صفراء بمحاذاة شارع صلاح الدين، ما جعل المرور عبره محفوفًا بالمخاطر، في وقت وسّع فيه الجيش نطاق سيطرته في المنطقة الممتدة بين وادي غزة ودوار الكويت، شرق حي الزيتون جنوب شرقي المدينة.
تغير قواعد الاشتباك
ويري المختص بالشأن السياسي سعيد أبو رحمة، أن توسيع الاحتلال لما يعرف بـ"الخط الأصفر"، ، لا يمكن قراءته كإجراء تقني معزول، بل كجزء من تصور أمني إسرائيلي يقوم على تعميق السيطرة الميدانية وتقليص قدرة الفصائل على إعادة التموضع.
وأوضح أبو رحمه خلال حديثه لـ "الاستقلال"، أن توسيع الخط الأصفر يمثل عملياً تغيراً في قواعد الاشتباك الميدانية ، حتى وإن جرى تقديمه تحت مبررات أمنية، فتفاهمات التهدئة سواء كانت معلنة أو غير مكتوبة تقوم أساساً على تثبيت خطوط تماس واضحة، ومنع أي طرف من فرض وقائع جديدة على الأرض.
وأضاف: "بحسب هذا الطرح، فإن المضي بتوسيع المنطقة العازلة دون توافق، يُعد اختراق تدريجي لهذه التفاهمات أو على الأقل تآكلها، مما يضعف الأسس التي تقوم عليها أي تهدئة قائمة".
وبين أن توسيع الخط الأصفر مُرتبطاً بحزمة أهداف متداخلة، تبدأ بالبعد الأمني المباشر، المتمثل بـ" خلق عمق ميداني يمنع الاحتكاك ويصعب على الفصائل استخدام المناطق الحدودية كنقاط انطلاق للعمليات"، إضافة إلى العبد الاستراتيجي المرتبط بمحاولة فرض واقع جغرافي جديد يمكن البناء عليه في أي ترتيبات سياسية أو أمنية مستقبلية.
كما يبرز بُعد تفاوضي في هذا السياق، إذ يُنظر إلى توسيع "الخط الأصفر" كأداة ضغط لتحسين شروط الجيش الإسرائيلي في أي مفاوضات لاحقة، سواء تعلق الأمر بنزع السلاح أو بترتيبات الإدارة وإعادة الإعمار. وفق ابو رحمة.
حالة عدم استقرار
ونوه إلى أن توسيع الخط الأصفر يعني عملياً تقليص المساحة المتاحة للحياة المدنية بقطاع يعاني بالأصل من كثافة سكانية مرتفعه، وبالتالي ستكون تداعياته مباشرة وعميقة على السكان.
وبين أبو رحمة أن هذه التداعيات تتمثل في عدة مستويات بـ" نزوح داخلي جديد، فقدان مساحات زراعية ومصادر الرزق، وتعقيد عمليات الإغاثة وإيصال المساعدات".
ولفت إلى أن حاله عدم اليقين المرتبطة بتغير الخطوط الميدانية تعمق من الشعور بعد الاستقرار، وتضعف قدرة السكان إلى إعادة بناء حياتهم حتى في ظل اي تهدئه معلنه.
فرض وجود عسكري
في حين، يربط المختص في الشأن الإسرائيلي علاء الريماوي، توسيع الخط الأصفر بسياق أوسع من "التنافسية الإسرائيلية على فرض وقائع على الأرض"، موضحاً أن إسرائيل تتجه نحو بناء وجود عسكري قائم على ركيزتين: الأولى تعزيز ما يُعرف بخط الدفاع الأول، والثانية تتمثل برفع مستوى السيطرة بما يسمح بتوسيع العمليات داخل القطاع، خصوصًا في حال انهيار وقف إطلاق النار، على خلفية نزع السلاح.
وبين الريماوي خلال حديثه لـ "الاستقلال"، أن هذا التوجه لا ينفصل عن إرادة سياسية داخلية تقودها تيارات اليمين المتطرف في إسرائيل، والتي تسعى إلى إثبات قدرتها على إحداث تغييرات جوهرية ، تصل إلى إعادة طرح فكرة الاستيطان داخل غزة، في سياق تنافسي مرتبط بالاعتبارات الانتخابية.
وأوضح أن ما بين الاستيطان والحجج الأمنية الإسرائيلية يبقى السيناريو الأخطر هو" جولة تصعيد جديدة"، محذراً أن الأشهر الثلاثة القادمة حاسمة في ظل الحديث داخل دوائر صنع القرار الإسرائيلي عن احتمالية اللجوء إلى عملية عسكرية بغزة ، في حال فشل مجلس السلام بتغيير البيئة الأمنية للقطاع ، أو فيما يتعلق بعنصر السلاح، وهو ما قد يعيد فرض قواعد عسكرية مختلفة على الأرض، بهدف خلق بيئة ضاغطة على المقاومة الفلسطينية.
وأكد أن الاحتلال لم يحترم اتفاق وقف إطلاق النار منذ بدايته، وذاهب إلى عملية متصاعدة فيما يطلق عليه الآن" سهولة استخدام إطلاق النار بغزة"، لكن هذا الاختراق الجديد، يتعلق بموقف الإدارة الأمريكية، حيث أنها باتت منشغلة بملفات أخرى، من بينها التنافس الاقتصادي مع الصين، و تحركاتها خاصة فيما يتعلق بالتجارة البحرية، كذلك ملف التصعيد مع إيران، وقضايا الطاقة والممرات التجارية، ما أتاح لإسرائيل مساحة أوسع للتحرك بغزة.
وشدد على أن تراجع الاهتمام الدولي بملف غزة، جعل "اسرائيل" تتعامل بغزة على أنها سيدة الموقف، خاصة في ظل وجود تقاطعات سياسية وعسكرية بين الولايات المتحدة.
وشدد على أن تراجع الاهتمام الدولي بملف غزة، جعل "اسرائيل" تتعامل بغزة على أنها سيدة الموقف، خاصة في ظل وجود تقاطعات سياسية وعسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، تتيح للأخيرة تعزيز أدوات الضغط وإدارة التصعيد بوتيرة أعلى.


التعليقات : 0