يلتهم أكثر من نصف المساحة

الساتر الترابي في غزة.. محاولة إسرائيلية لإعادة رسم خريطة القطاع ميدانيا

الساتر الترابي في غزة.. محاولة إسرائيلية لإعادة رسم خريطة القطاع ميدانيا
تقارير وحوارات

غزة/ دعاء الحطاب:

لم يعد ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" في قطاع غزة مجرد منطقة عسكرية مغلقة، بل بات يشهد تحولات ميدانية متسارعة مع مواصلة الجيش الإسرائيلي إنشاء ساتر ترابي ضخم يمتد بمحاذاته، في خطوة يراها محللون سياسيون تتجاوز مقتضيات العمليات العسكرية إلى محاولة تكريس واقع جغرافي وأمني جديد داخل القطاع.

وتظهر صور أقمار صناعية نشرتها وكالة "أسوشيتد برس"، إلى جانب تأكيد الجيش الإسرائيلي تنفيذ المشروع، أن الساتر يمتد لأكثر من 23 كيلومترًا، أي ما يزيد على نصف طول قطاع غزة، ما يثير تساؤلات حول أهدافه وانعكاساته على مستقبل القطاع.

أبعاد تتجاوز الميدان

المختص بالشأن السياسي د. سعيد أبو رحمة، يرى أن المشروع لا يمكن قراءته باعتباره إجراءً عسكرياً مؤقتاً فحسب، بل يأتي ضمن توجه أوسع لإعادة تشكيل البيئة الأمنية والجغرافية في قطاع غزة.

ويقول أبو رحمة لـ"الاستقلال": "إن التوسع المتسارع في إنشاء الساتر يوحي بأن إسرائيل لا تكتفي بإدارة الحرب ميدانياً، وإنما تعمل بالتوازي على إنشاء بنية تحتية أمنية قد تؤثر في شكل القطاع خلال المرحلة المقبلة".

ويضيف أن الساتر يمنح إسرائيل خطاً دفاعياً وفاصلًا يعزز قدرتها على التحكم بالحركة بين شمال القطاع وجنوبه، ويعزز إمكانات المراقبة والانتشار العسكري، فضلاً عن تقليل الاحتكاك المباشر مع الفصائل المسلحة مع الإبقاء على إمكانية التدخل السريع عند الحاجة.

ويشير المحلل إلى أن امتداد الساتر في مناطق تعرضت لدمار واسع خلال الحرب، واستمرار العمل فيه بوتيرة متسارعة، يدفع إلى الاعتقاد بأن المشروع قد يتجاوز الاعتبارات العسكرية الآنية إلى أبعاد سياسية وجغرافية.

ويرى أن الساتر قد يتحول إلى "أمر واقع" يفرض خطوط فصل داخل القطاع حتى دون إعلان رسمي باعتبارها حدوداً دائمة، وهو ما قد ينعكس على حرية حركة السكان، ويمنح إسرائيل أوراقاً إضافية في أي مفاوضات مستقبلية تتعلق بترتيبات ما بعد الحرب.

ويربط المحلل توقيت تنفيذ المشروع بالسياق السياسي داخل إسرائيل، موضحاً أن الحكومة تسعى إلى إظهار إنجازات أمنية ملموسة للناخب الإسرائيلي، من خلال تقديم الساتر باعتباره أحد مخرجات الحرب التى تعزز الأمن الإسرائيلي، وتحول دون تكرار هجمات مماثلة لهجوم السابع من أكتوبر.

كما يلفت إلى أن توقيت تنفيذ المشروع بالتزامن مع انشغال المجتمع الدولي بتداعيات المواجهة الأمريكية الإيرانية، يمنح إسرائيل هامشًا أوسع لتنفيذ مشاريع ميدانية طويلة الأمد قبل عودة الاهتمام الدولي المكثف بما يجري داخل قطاع غزة.

واقع جغرافي جديد

وبدوره، أكد المختص بالشأن السياسي د. ياسر مناع أن أهمية الساتر لا تكمن في طبيعته الهندسية، وإنما في كونه يعكس تحولًا في العقيدة الإسرائيلية لإدارة قطاع غزة، من السيطرة العسكرية المؤقتة إلى فرض واقع جغرافي طويل الأمد.

 ويوضح مناع خلال حديثه لـ "الاستقلال"، أن الساتر يعيد رسم حدود السيطرة عبر إنشاء فاصل مادي بين المناطق التي يحتفظ الجيش الإسرائيلي بوجوده فيها وبقية مناطق القطاع، بما يحول الانتشار العسكري إلى بنية ثابتة تمنح إسرائيل قدرة أكبر على ضبط الحركة والسيطرة على الأرض وإدارة المجال الأمني دون الحاجة إلى وجود عسكري كثيف في جميع المناطق.

ويشير إلى أن إنشاء الساتر يعكس تحولاً في مفهوم السيطرة الإسرائيلية، من إدارة السكان إلى إدارة المجال الجغرافي، إذ تركز إسرائيل على الاحتفاظ بالمحاور والحدود والمناطق المفتوحة التي توفر لها حرية الحركة، والإنذار المبكر، وسرعة التدخل.

ويضيف أن تداعيات هذه السياسة لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الداخلية للقطاع من خلال فصل مناطق عن أخرى، وتقليص مساحة الحركة الفلسطينية، وفرض واقع مكاني جديد قد يشكل أساساً لأي ترتيبات سياسية أو أمنية مستقبلية.

ويؤكد أن هذا التوجه ينسجم مع التحولات التي طرأت على الخطاب الإسرائيلي منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث لم يعد الحديث مقتصراً على منع التهديدات الأمنية، بل توسع ليشمل طروحات تدعو إلى الاحتفاظ بأجزاء من قطاع غزة وإعادة الاستيطان فيها.

وبناءً على ذلك، يرى مناع أن الساتر الترابي لا يمكن التعامل معه باعتباره منشأة هندسية مستقلة، وإنما كجزء من رؤية أوسع تستهدف ترسيخ حضور إسرائيلي طويل الأمد داخل القطاع، سواء عبر إنشاء مناطق أمنية دائمة أو من خلال تهيئة البيئة الجغرافية لخيارات سياسية واستيطانية قد تتبلور في المستقبل.

وبينما تواصل إسرائيل استكمال إنشاء الساتر الترابي على امتداد "الخط الأصفر"، تبقى طبيعة هذا المشروع وأهدافه النهائية محل جدل، في ظل مخاوف من أن يتحول إلى واقع ميداني دائم يعيد رسم الجغرافيا الأمنية والسياسية لقطاع غزة، ويفرض وقائع

التعليقات : 0

إضافة تعليق