خطاب تحت المجهر.. 8 ادعاءات لنتنياهو في الأمم المتحدة وماذا تقول الوقائع؟

خطاب تحت المجهر.. 8 ادعاءات لنتنياهو في الأمم المتحدة وماذا تقول الوقائع؟
تقارير وحوارات

نيويورك/الاستقلال:

ألقى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، مساء الخميس، خطابه أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، بعد مغادرة عدد من الوفود قاعة الجمعية قبيل بدء كلمته احتجاجًا على مشاركته.

وخلال خطاب استمر نحو أربعين دقيقة، دافع نتنياهو عن سياسات حكومته في قطاع غزة والضفة الغربية، وهاجم إيران وقطر وتركيا وفرنسا، كما أعاد طرح روايات مرتبطة بأحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 والمساعدات الإنسانية والوضع الديموغرافي في بيت لحم وعنف المستوطنين.

وقال نتنياهو قبل الخطاب إنه سيكشف عن "مفاجآت"، إلا أن جانبًا كبيرًا من كلمته انصب على إعادة عرض المواقف والروايات التي تتبناها حكومته منذ اندلاع الحرب.

وفيما يلي أبرز ثمانية ادعاءات وردت في الخطاب، وما تقوله البيانات والتقارير والوثائق المرتبطة بالوقائع التي تحدث عنها:

  1.  عنف المستوطنين.. ظاهرة محدودة أم هجمات واسعة؟

قال نتنياهو إن عنف المستوطنين في الضفة الغربية يقتصر على مجموعة محدودة من الأشخاص، مشيرًا إلى نحو 150 شخصًا يرتكبون أعمالًا من قبيل إلقاء الحجارة وقطع أشجار الزيتون وإشعال الحرائق، ومتحدثًا عن مقتل فلسطينيين اثنين أو ثلاثة جراء هذه الاعتداءات.

لكن بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية تشير إلى نطاق أوسع بكثير؛ إذ وثقت المنظمة أكثر من 1600 هجوم للمستوطنين أسفر عن إصابات أو أضرار في الممتلكات أو كليهما منذ بداية عام 2026 وحتى 14 سبتمبر/أيلول، بمعدل بلغ نحو 6.7 هجمات يوميًا، وطالت الاعتداءات 275 تجمعًا فلسطينيًا. (ochaopt.org)

وتشير البيانات الأممية إلى أن آثار هذه الهجمات لا تقتصر على الإصابات والأضرار المباشرة، بل تمتد إلى تقييد وصول الفلسطينيين إلى منازلهم وأراضيهم الزراعية والخدمات الأساسية، فضلًا عن حالات تهجير من تجمعات فلسطينية.

وبذلك، فإن الأرقام الأممية تقدم صورة عن ظاهرة أوسع من مجرد الاعتداءات الفردية التي وصفها نتنياهو في خطابه. 

  1.  هل تستولي حماس على معظم المساعدات؟

كرر نتنياهو الرواية الإسرائيلية التي تتهم حركة حماس بالاستيلاء على نسبة كبيرة من المساعدات التي تدخل قطاع غزة، وهي رواية استخدمتها الحكومة الإسرائيلية مرارًا في سياق الحديث عن الأزمة الإنسانية وآليات إدخال المساعدات.

لكن مراجعة أجرتها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID للحوادث التي أبلغ عنها شركاؤها بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ومايو/أيار 2025 شملت 156 حادثة تتعلق بفقدان أو سرقة مساعدات، ولم تجد دليلًا على عملية منهجية لتحويل المساعدات من جانب حماس أو منظمات مصنفة إرهابية.

وفي المقابل، أثارت جهات في الإدارة الأميركية تحفظات على بعض استنتاجات المراجعة، وأكدت امتلاكها معلومات بشأن عمليات نهب للمساعدات، من دون نشر الأدلة التي تحدثت عنها بصورة كاملة.

لذلك، فإن المعطيات المنشورة لا تكفي لتقديم عبارة "سرقة معظم المساعدات" باعتبارها حقيقة محسومة، كما أن وجود حالات نهب أو سرقة لا يساوي في حد ذاته إثبات استيلاء منهجي على الجزء الأكبر من المساعدات.

  1.  الغذاء والتطعيم.. هل تكفي الأرقام وحدها لوصف الوضع الإنساني؟

استند نتنياهو إلى كمية الغذاء التي قال إن إسرائيل سمحت بدخولها إلى غزة، وإلى حملات التطعيم ضد شلل الأطفال، للدفاع عن السياسات الإسرائيلية ونفي الاتهامات المتعلقة بالتجويع.

لكن تقييم الوضع الإنساني لا يعتمد على كمية المساعدات الداخلة فقط، وإنما كذلك على وصولها إلى السكان، وانتظام توزيعها، وقدرة السكان على الحصول عليها، ومستوى الأمن الغذائي والتغذية. 

وكان التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي IPC قد أعلن في أغسطس/آب 2025 وجود مجاعة في محافظة غزة، بينما أظهرت تقديرات لاحقة تحسنًا نسبيًا في بعض المؤشرات بعد زيادة تدفق المساعدات ووقف إطلاق النار، مع استمرار مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي. (ochaopt.org)

أما حملات شلل الأطفال التي استشهد بها نتنياهو، فقد كانت حملات طوارئ قادتها منظمة الصحة العالمية واليونيسف ووكالة الأونروا وشركاء صحيون آخرون، ونُفذت في ظروف إنسانية وأمنية استثنائية.

ففي الجولة الأولى من حملة عام 2024، تلقى نحو 559 ألف طفل دون سن العاشرة اللقاح خلال 12 يومًا، في عملية احتاجت إلى ترتيبات ووقفات إنسانية محددة للسماح بمرور الفرق الصحية ووصول السكان. (who.int) 

وبالتالي، فإن تنفيذ حملة تطعيم واسعة لا يشكل بحد ذاته مؤشرًا على أن الظروف الصحية والمعيشية في القطاع كانت طبيعية. 

  1.  بيت لحم.. ماذا تقول الأرقام عن التركيبة السكانية؟

قال نتنياهو إن مدينة بيت لحم كانت ذات أغلبية مسيحية كبيرة خلال الفترة التي كانت فيها تحت السيطرة الإسرائيلية، وإنها تحولت بعد انتقال إدارتها إلى السلطة الفلسطينية إلى مدينة ذات أغلبية مسلمة، متحدثًا عن دفع المسيحيين إلى مغادرتها.

إلا أن بيانات تعداد عام 1967 لا تتفق مع وصف المدينة بأنها كانت ذات أغلبية مسيحية ساحقة؛ فقد بلغ عدد سكان بيت لحم آنذاك نحو 14,439 نسمة، كان المسيحيون يمثلون 46.1% منهم مقابل 53.9% للمسلمين.

كما أن التراجع في نسبة المسيحيين في بيت لحم ارتبط بعوامل متعددة على مدى عقود، بينها الظروف السياسية والاقتصادية، والحروب، والهجرة، ومصادرة الأراضي، وقيود الحركة والوصول، وليس بعامل واحد منفرد.

وبالتالي، فإن اختزال التغير الديموغرافي في المدينة باعتباره نتيجة مباشرة لانتقال إدارتها إلى السلطة الفلسطينية يتجاهل سياقًا تاريخيًا وديموغرافيًا أوسع. 

  1.  روايات عن السابع من أكتوبر لم تثبت كما انتشرت

أعاد نتنياهو خلال خطابه الحديث عن روايات تتعلق بأطفال ورضع أحرقوا وقطعت رؤوسهم خلال أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

لكن عددًا من هذه الروايات، التي انتشرت على نطاق واسع خلال الأيام الأولى للحرب، لم تثبت لاحقًا بالصورة التي جرى تداولها.

وتناولت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية في تحقيقات لها روايات قطع رؤوس عشرات الأطفال وإحراق مجموعات من الأطفال، وأشارت إلى عدم وجود أدلة تثبتها بالصورة التي انتشرت بها.

كما تناولت الصحيفة مقتل الرضيعة ميلا كوهين، البالغة عشرة أشهر، في كيبوتس بئيري، في سياق مراجعتها للروايات المتداولة عن الأطفال الذين قتلوا خلال الهجوم. 

وعليه، فإن إعادة طرح روايات قطع رؤوس عشرات الأطفال أو حرق مجموعات من الأطفال لا تستند إلى أدلة تثبتها بالصورة التي اشتهرت بها تلك الادعاءات خلال الأيام الأولى للحرب.

  1. حادثة نتانئيل شكرون.. ماذا نعرف عن المسؤولية؟ 

تحدث نتنياهو عن المواطن الفرنسي نتانئيل شكرون، وقال إنه قتل أثناء زيارة نبع برفقة ابنه، ونسب العملية إلى مسلح من حركة حماس. 

وفي مثل هذه الحالات، ينبغي الفصل بين ثبوت وقوع الحادثة وبين تحديد الجهة المسؤولة عنها؛ إذ قدم نتنياهو في خطابه الرواية المتعلقة بالمنفذ وانتمائه السياسي باعتبارها جزءًا من عرضه للوقائع.

أما بالنسبة إلى الخلفية المتعلقة بموقع النبع، فهي ترتبط أيضًا بسياق أوسع من النزاع على الأراضي والوصول إليها في مناطق الاستيطان بالضفة الغربية، وهو جانب لم يكن حاضرًا في العرض الذي قدمه نتنياهو أمام الجمعية العامة.

  1. هل يعني انسحاب 2005 عدم وجود سيطرة إسرائيلية على غزة؟ 

قال نتنياهو إن قطاع غزة لم يكن يضم أي إسرائيليين، مدنيين أو عسكريين، في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. 

ومن الناحية المكانية، انسحبت إسرائيل عام 2005 من المستوطنات والقواعد العسكرية الدائمة داخل قطاع غزة. 

لكن توصيف طبيعة السيطرة الإسرائيلية على القطاع ظل موضع نقاش قانوني دولي، إذ أشارت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر عام 2024 إلى استمرار التزامات إسرائيل في عدد من المجالات بالقدر الذي تواصل فيه ممارسة السيطرة الفعلية، بما يشمل جوانب مرتبطة بالحدود وحركة الأشخاص والبضائع والمجالين البحري والجوي.

وعليه، فإن غياب القوات والمستوطنين بصورة دائمة داخل القطاع لا يحسم بمفرده مسألة طبيعة العلاقة القانونية والسيطرة الفعلية على غزة.

  1. قطر وتغير مواقف الرأي العام الأميركي 

هاجم نتنياهو قطر في خطابه، واتهمها بتمويل جامعات ووسائل إعلام والرأي العام الأميركي، وربط ذلك، بصورة خاصة، بتغير مواقف الشباب الأميركي تجاه إسرائيل.

وتوجد بالفعل استثمارات وتمويلات قطرية في مؤسسات تعليمية وإعلامية في الولايات المتحدة، لكن إثبات أن هذه التمويلات هي العامل المباشر وراء التغير في مواقف الرأي العام يحتاج إلى أدلة سببية مستقلة.

وفي المقابل، تظهر استطلاعات الرأي الأميركية وجود تحول فعلي في مواقف بعض الفئات العمرية. وتشير بيانات غالوب المنشورة في فبراير/شباط 2026 إلى أن 53% من الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا قالوا إن تعاطفهم أكبر مع الفلسطينيين، مقابل 23% قالوا إن تعاطفهم أكبر مع الإسرائيليين.

وهذا التغير في اتجاهات الرأي العام يمكن قياسه بالاستطلاعات، بينما يبقى تفسير أسبابه وتحديد وزن كل عامل فيه مسألة تحتاج إلى أكثر من مجرد الإشارة إلى نشاط دولة أو مؤسسة واحدة.

خطاب تحت المجهر.. أرقام وروايات لا تصمد أمام الوقائع

وبالنظر إلى مجمل النقاط التي طرحها نتنياهو، فإن جزءًا كبيرًا من المعلومات التي استند إليها في خطابه لا يتطابق مع الأرقام والبيانات المتاحة، فيما تستند بعض رواياته إلى معلومات جزئية أو وقائع جرى تقديمها خارج سياقها، بينما لم تثبت ادعاءات أخرى بالصورة التي طرحها أمام الجمعية العامة.

وبذلك، لم تكن "المفاجآت" التي وعد نتنياهو بكشفها قبل الخطاب سوى إعادة طرح لمجموعة من الروايات والمبررات التي سبق أن تبنتها حكومته، مع استخدام أرقام وانتقائية في عرض الوقائع لخدمة موقفه السياسي تجاه الحرب على غزة والضفة الغربية وخصومه الإقليميين والدوليين.

التعليقات : 0

إضافة تعليق