حين تفرض الحرب مهن جديدة.. نساء غزة يعِدن بناء مصادر رزقهن

حين تفرض الحرب مهن جديدة.. نساء غزة يعِدن بناء مصادر رزقهن
تقارير وحوارات

غزة/ أية عبد العال:
لم تقتصر آثار الحرب على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/2023 على تدمير المنازل والمنشآت، بل امتدت إلى سوق العمل، بعدما فقد آلاف المواطنين وظائفهم أو تعطلت أعمالهم، وكانت النساء من أكثر الفئات تأثرًا بهذا الواقع.
ومع توقف العديد من مصادر الدخل، وجدت نساء كثيرات أنفسهن أمام ضرورة البحث عن بدائل اقتصادية جديدة، لم تكن في معظمها امتدادًا لمسارهن المهني السابق، بل استجابة لظروف فرضتها الحرب والنزوح وتراجع فرص العمل.
ويتوافق ذلك مع نتائج دراسة لتحليل سوق العمل النسائي أعدها مركز شؤون المرأة في قطاع غزة، والتي رصدت تأثير الحرب على سوق عمل النساء، وتضرر القطاعات الاقتصادية، واتجاه النساء نحو مشاريع صغيرة قائمة على المهارات والخبرات الشخصية، كمحاولة لتأمين احتياجات أسرهن.
المطبخ بديلًا عن الميدان
كانت الإعلامية إسلام الخالدي (33 عامًا) تعمل مراسلة وصحفية مع عدد من المؤسسات الإعلامية في قطاع غزة، لكن الحرب أوقفت عملها بعد تدمير المؤسسات التي كانت تعمل معها.
وتقول الخالدي لـ" الاستقلال": "ظروف حملي ورعاية أطفالي كانتا من أبرز الأسباب التي دفعتني إلى الابتعاد عن العمل الميداني"، خاصة أن زوجها، المصور الصحفي محمد الأخرس، واصل تغطية الأحداث، ولم يكن بالإمكان أن يتركا أطفالهما في ظل الحرب والنزوح.
وبحكم مهارتها في إعداد الطعام وخبرتها في التسويق، أطلقت من خيمة النزوح مشروعها الغذائي الصغير "مطبخ فتفوتة"، الذي يقدم وجبات منزلية حسب الطلب.

 

وتوضح الخالدي أن مشروعها واجه منذ انطلاقه تحديات متلاحقة، في مقدمتها القيود التي فرضتها قوات الاحتلال على إدخال المواد الأساسية وغاز الطهي، الأمر الذي تسبب في نقص العديد من المكونات الغذائية وارتفاع أسعارها خلال الحرب، ما انعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج واستمرارية العمل.
وتضيف أن التحديات لم تتوقف مع سريان اتفاق وقف إطلاق النار الثاني مطلع عام 2025، إذ واجه المشروع واقعًا جديدًا تمثل في عودة عدد من المطاعم إلى العمل، واحتدام المنافسة في سوق يعاني أصلًا من تراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
ورغم تلك الصعوبات، تؤكد الخالدي أنها لم تتخلَّ عن شغفها بالإعلام، ولا تزال تتابع تفاصيل الحياة والأحداث اليومية، إلا أن ظروف الحرب فرضت عليها إعادة ترتيب أولوياتها.
من التعليم إلى إعادة التدوير
لم تكن صابرين أبو مدين (42 عامًا) تتخيل أن تنتهي رحلتها اليومية في تدريس التاريخ داخل الصفوف الدراسية إلى الجلوس خلف ماكينة خياطة، بعدما أوقفت الحرب المدارس النظامية وحوّلت أولويات الحياة، فمع اقتصار التعليم في النقاط التعليمية داخل مراكز الإيواء على المواد الأساسية لتعويض الطلبة جزءًا من فاقدهم التعليمي، وجدت نفسها خارج الفصل الدراسي، لتبدأ رحلة جديدة فرضتها ظروف الحرب.
ومع تدمير المنازل ومحتوياتها، ونقص الملابس وارتفاع أسعارها نتيجة القيود المفروضة على إدخال البضائع إلى قطاع غزة، بدأت العائلات تتوجه إليها للاستفادة من موهبتها في التصميم والخياطة لإصلاح الملابس والأقمشة بدلًا من استبدالها، قبل أن تتطور الفكرة إلى مشروع لإعادة تدوير الأقمشة.
وافتتحت مركزًا صغيرًا تنتج فيه ملابس ومنتجات متنوعة، كالحقائب والإكسسوارات، إضافة إلى دمى للأطفال مصنوعة من بقايا الأقمشة، وتسوق أعمالها عبر الإنترنت.

وتوضح أن المشروع بدأ بهدف مساعدة الأسر على الاستفادة من ملابسها وأقمشتها التالفة، إلى جانب توفير مصدر دخل لها، لكنه يواجه تحديات أبرزها نقص أدوات الخياطة، وارتفاع تكاليف التشغيل، وضعف القدرة الشرائية.
وتضيف: "أتمنى العودة إلى التدريس، لكنني سعيدة لأن موهبتي أصبحت وسيلة أخدم بها الناس وأعيل أسرتي."
واقع جديد
لم تقتصر خسارة الصيدلانية سلام المزنر (36 عامًا) على صيدليتها، بل امتدت إلى مصدر رزقها الذي بنته على مدار سنوات، فبعد أن دمّرت الحرب الحي الذي كانت تقع فيه الصيدلية، وجدت نفسها أمام واقع جديد فرض عليها البحث عن وسيلة بديلة لتأمين دخل يعيل أسرتها.
وتوضح المزنر لـ "الاستقلال" أن النساء في خيام النزوح كن يلجأن إليها للحصول على نصائح حول العناية بالبشرة والتخفيف من آثار التعرض للشمس والظروف المعيشية القاسية، ما دفعها إلى استثمار خبرتها الصيدلانية في تصنيع منتجات للعناية بالبشرة.
وتوضح المزنر أن اختيارها العمل في مجال العناية بالبشرة والتجميل لم يكن مصادفة، بل جاء لارتباطه بتخصصها في الصيدلة، وما وفرته خبرتها العلمية من ثقة لدى النساء، فضلًا عن أنه لا يتطلب رأس مال كبيرًا مقارنة بإعادة افتتاح صيدلية في ظل الظروف الراهنة، وما يستلزمه ذلك من تكاليف مرتفعة لتجهيز المكان وتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية.
وتقول: "أتمنى العودة إلى عملي في الصيدلية، فهو المجال الذي كرّست له سنوات من الدراسة والعمل، لكن الدمار الذي خلفته الحرب، إلى جانب ارتفاع تكاليف إعادة التجهيز وتوفير الأدوية، يجعل هذا الحلم مؤجلًا حتى الآن.
تحول جذري

ويرى المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر أن الحرب أحدثت تحولًا جذريًا في سوق العمل بقطاع غزة، بعدما دمرت معظم القطاعات الإنتاجية، ودفعته من اقتصاد يعتمد على الإنتاج، رغم سنوات الحصار، إلى ما وصفه بـ"اقتصاد البقاء"، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على النساء العاملات.
ويقول أبو قمر لـ" الاستقلال":" إن النساء قبل الحرب حققن حضورًا متزايدًا في سوق العمل، إلا أن الحرب أوقفت هذا المسار بعد تدمير مشاريع عديدة، وإغلاق منشآت اقتصادية، ومنع إدخال المواد الخام، ما أدى إلى تراجع فرص العمل وارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة.
ويضيف "أن انتقال كثير من النساء من مهنهن الأصلية إلى المشاريع المنزلية لم يكن خيارًا، بل فرضته الحرب واستمرارها، موضحًا أن طول أمد الأزمة، ومسؤولية كثير من النساء عن إعالة أسرهن بعد غياب أو فقد المعيل، دفعهن إلى البحث عن أي مصدر دخل، حتى وإن كان مشروعًا بسيطًا داخل المنزل أو خيمة النزوح.
ويشير إلى أن هذه المشاريع تمثل محاولات للتكيف مع الواقع الاقتصادي، لكنها ما تزال تواجه تحديات كبيرة، أبرزها نقص المواد الخام، وارتفاع تكاليف الإنتاج، والتذبذب المستمر في الأسعار، إلى جانب ضعف القدرة الشرائية وصعوبة تسويق المنتجات، ما يجعل كثيرًا منها معرضًا للتعثر.
ويؤكد أبو قمر أن استدامة هذه المشاريع تتطلب توفير بيئة أكثر استقرارًا، ودعمًا ماليًا وفنيًا للنساء، وتأمين المواد الخام، وإجراء دراسات جدوى واستشارات اقتصادية تساعدهن على اختيار مشاريع تلبي احتياجات السوق وتضمن فرص استمرارها.

التعليقات : 0

إضافة تعليق