غزة / أية عبد العال :
لم يكن إعلان نتائج التوجيهي في قطاع غزة بالنسبة للطالبة مايا محمد شيخ العيد مناسبة للاحتفال بالنجاح فقط، بل لحظة امتزجت فيها الفرحة بالفقد، بعدما وجدت نفسها تخاطب صورة والديها الشهيدين بدلًا من أن تتلقى التهنئة بين أحضانهما.
"هيني رفعت راسكم... نجحت وجبت في التسعينات مثل ما وعدتكم".. بهذه الكلمات استقبلت مايا نبأ تفوقها في الفرع العلمي بمعدل 91.4%، في مشهد اختصر سنوات من الحرب واليتم والنزوح، بعدما خاضت رحلة الثانوية العامة من داخل خيمة نزوح في مواصي مدينة خان يونس، فيما تزامن إعلان النتائج مع ذكرى استشهاد والدتها، لتتحول لحظة النجاح إلى رسالة وفاء لوالدين غابا عن الحياة وبقيا حاضرين في كل تفاصيلها.
وتقول مايا لـ"الاستقلال" إنها ما إن علمت بنتيجتها حتى أمسكت بصورة والدتها، وبدأت تخاطبها قائلة: "هيني رفعت راسكم... وجبت في التسعينات"، مؤكدة أن تلك اللحظة لم تكن مجرد احتفال بالتفوق، بل وفاءً لوعد قطعته لوالديها قبل رحيلهما.
وتوضح أن والدها استشهد في الرابع من سبتمبر/أيلول 2024، بينما استشهدت والدتها في الرابع والعشرين من يوليو/تموز 2025، لتجد نفسها تخوض المرحلة الأخيرة من الثانوية العامة وهي تواجه مرارة اليتم، مستندة إلى دعم خالتها وأقاربها.
وتضيف: "اسودّت الدنيا في وجهي بعد استشهاد والديّ، لكنني كنت قد وعدت والدي قبل استشهاده أن أرفع رأسه، لذلك تمسكت بالدراسة حتى أحقق هذا النجاح وأهديه لروحيهما".
وأعلنت وزارة التربية والتعليم العالي، في 24 يوليو/تموز 2026، نتائج الثانوية العامة لطلبة قطاع غزة، بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب التي اندلعت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي تسببت في تدمير مئات المدارس وتعطيل التعليم النظامي ونزوح مئات آلاف الأسر، فيما واصل الطلبة تعليمهم عبر بدائل شملت الصفوف الافتراضية والامتحانات الإلكترونية، وسط انقطاع متكرر للكهرباء والاتصالات، وظروف معيشية وتعليمية غير مسبوقة.
الدراسة من داخل خيمة
كانت مايا تعيش مع أسرتها في مدينة رفح قبل أن يدمر القصف منزلهم، فتضطر إلى النزوح نحو منطقة أصداء في مدينة خان يونس، حيث أقامت داخل خيمة كما آلاف العائلات التي شردتها الحرب.
ورغم قسوة ظروف النزوح، لم تتخلَّ عن حلمها في النجاح، بل واصلت الاستعداد لامتحانات الثانوية العامة في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات الدراسة.
وتروي أنها لم تكن تملك مكتبًا أو مكانًا هادئًا للمذاكرة، فكانت تراجع دروسها وهي تجلس على فرشة ووسادة داخل الخيمة، فيما تحفظ كتبها ودفاترها داخل صندوق كرتوني للمساعدات لحمايتها من التلف.
وتشير إلى أن يومها الدراسي كان يبدأ منذ ساعات الصباح الأولى ويمتد حتى ساعات متأخرة من الليل، رغم ضيق مساحة الخيمة، وارتفاع درجات الحرارة، وصعوبة توفير أجواء مناسبة للتركيز.
هاتف مستعار... وسند لا يغيب
ولم تكن ظروف النزوح وحدها التحدي الذي واجهته مايا، إذ لم تمتلك هاتفًا خاصًا بها، فاعتمدت على استعارة هاتف خالتها خولة شيخ العيد لمتابعة الدروس الإلكترونية واللقاءات التعليمية والاستعداد للامتحانات.
وتؤكد أن خالتها كانت السند الأكبر لها بعد استشهاد والديها، ولم تكتفِ برعايتها، بل وفرت لها كل ما استطاعت من دعم نفسي وتشجيع حتى تتمكن من مواصلة تعليمها، إلى جانب مساندة أقاربها.
فرحة يرافقها الغياب
عندما أُعلنت النتائج، أحاطت بمايا خالتها وشقيقاتها وعدد من قريباتها، إلا أن الفرحة بقيت منقوصة بغياب والديها اللذين كانت تتمنى أن يشاركاها هذه اللحظة التي طالما حلما بها.
ولم تقتصر طريقتها في الاحتفال على توزيع الحلوى، بل حرصت على أن تحمل رسائل وفاء لوالديها الشهيدين، فكتب على أحد أطباق الحلوى: "فليشهد العالم أني تخرجت من أجل روحين كانا لي كل شيء... شهداء قلبي ماما وبابا".
وحمل طبق آخر عبارة: "أنا الخريجة... حققت حلمي لأجل زهرة أنجبتني، وغالٍ خُتم على اسمي به... من غادروا الدنيا شهداء وبقوا في قلبي أحياء".
وتقول إن أكثر ما كانت تتمناه هو أن يكون والداها إلى جانبها في هذه اللحظة، وأن يشاركاها فرحة تحقيق الحلم الذي طالما شجعَاها على الوصول إليه.
حلم مؤجل
ورغم نجاحها، تؤكد مايا أن رحلتها لم تنتهِ بعد، إذ تطمح إلى دراسة الطب، إلا أن تحقيق هذا الحلم يبقى مرهونًا بقدرتها على توفير تكاليف الدراسة الجامعية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها أسرتها.
وتعكس قصة مايا جانبًا من واقع آلاف طلبة الثانوية العامة في قطاع غزة، الذين واصلوا تعليمهم رغم الحرب والنزوح وفقدان أحبائهم وتعطل الدراسة النظامية، ليصبح النجاح بالنسبة لكثير منهم أكثر من مجرد نتيجة دراسية؛ فهو انتصار على الظروف، ورسالة وفاء لمن رحلوا، وإصرار على مواصلة الحياة رغم كل ما خلفته الحرب من فقد وألم.


التعليقات : 0