الاستقلال / معتز شاهين:
تتجه الضفة الغربية المحتلة نحو مرحلة أكثر توترًا، في ظل تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية، واتساع اعتداءات المستوطنين، مقابل تنامي العمليات الفلسطينية، ما يرفع احتمالات انتقال المواجهة إلى مستويات أوسع ومتعددة البؤر يصعب احتواؤها، وفق تقديرات مراقبين.
ويرى محللان في الشأن السياسي في حديثين منفصلين مع صحيفة "الاستقلال"، أمس الاحد، أن ما يجري في الضفة لم يعد مجرد سلسلة من الأحداث الأمنية المنفصلة، بل يعكس تحولًا في طبيعة المواجهة، مع ارتفاع مستوى استخدام قوة الاحتلال، وتراجع القيود التي كانت تضبط شكل الاشتباك، إلى جانب توسع النشاط الاستيطاني وارتفاع مستوى الاحتكاك بين الفلسطينيين والمستوطنين.
وتشهد الضفة الغربية تصاعدًا مستمرًا في المواجهات والانتهاكات، حيث وثّقت وزارة الصحة الفلسطينية استشهاد 87 فلسطينيًا برصاص الاحتلال الإسرائيلي منذ بداية عام 2026، بينهم 21 استشهدوا برصاص المستوطنين، فيما ارتفعت الحصيلة الإجمالية للشهداء الفلسطينيين في الضفة الغربية إلى 1182 منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وتزامن هذا التصعيد مع ارتفاع وتيرة الاعتداءات الاستيطانية والتحركات العسكرية الإسرائيلية، إذ قدرت مصادر أمنية إسرائيلية أن سلسلة الأحداث الأخيرة في الضفة الغربية قد تشعل الأوضاع وتدفع باتجاه انفجار أوسع، مشيرة إلى أن الجيش يستعد لاحتمال تصعيد إضافي في المنطقة.
ونقلت هيئة البث الإسرائيلية عن المصادر الأمنية قولها إن الزيادة الحادة في أعداد البؤر الاستيطانية والمزارع في الضفة الغربية أسهمت في تصاعد المواجهات اليومية بين الفلسطينيين والمستوطنين خلال الأسابيع الأخيرة، محذرة من أن تراكم هذه الأحداث قد يؤدي إلى تدهور أمني واسع.
وقالت الإذاعة العبرية الرسمية إن جيش الاحتلال في الضفة الغربية تلقى أوامر بتوسيع نطاق عملياته الهجومية، مشيرة إلى نشر 26 كتيبة عسكرية في المنطقة، في إطار الاستعدادات للتعامل مع التطورات الأمنية.
وفي المقابل، دعت القوى والفصائل السياسية في مدينة نابلس الفلسطينيين إلى رفع مستوى الجاهزية لمواجهة اعتداءات المستوطنين والدفاع عن البلدات والقرى والأراضي الفلسطينية.
وجاءت الدعوة في بيان صادر عن لجنة التنسيق الفصائلي في محافظة نابلس، عقب دعوات أطلقها مستوطنون إسرائيليون لتنفيذ هجمات في الضفة الغربية، حيث طالبت اللجنة بتفعيل لجان الحراسة والطوارئ في مختلف المناطق، وتعزيز الوحدة الميدانية في مواجهة التصعيد المتزايد.
فرض وقائع
وقال الكاتب والمحلل السياسي د. سعيد أبو رحمة إن الضفة الغربية دخلت مرحلة تتسم بـ"تآكل الضوابط التقليدية" وارتفاع مستوى الاحتكاك الأمني، مشيرًا إلى أن المشهد لم يعد يقتصر على اقتحامات عسكرية محدودة، وإنما يعكس نمطًا متصاعدًا من الإجراءات الإسرائيلية التي تشمل القتل والاعتقالات والهدم ومصادرة الأراضي.
واعتبر أبو رحمة أن ارتفاع أعداد الفلسطينيين الذين يُقتلون برصاص جيش الاحتلال أو المستوطنين لا يمكن اعتباره مجرد نتائج عرضية للمواجهات، بل يأتي، في إطار سياسة تقوم على توسيع استخدام القوة المميتة وتخفيف القيود على إطلاق النار، بالتوازي مع تعزيز الدور الأمني للمستوطنين، خصوصًا في المناطق المصنفة (ج).
وأضاف لـ"الاستقلال" أن هذه الإجراءات تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض وإعادة تشكيل البيئة الأمنية والديموغرافية في الضفة، بما يعزز السيطرة الإسرائيلية ويضيّق على الوجود الفلسطيني في المناطق المستهدفة، لافتًا إلى أن تصاعد العمليات الفلسطينية والإجراءات الإسرائيلية بات جزءًا من دائرة تصعيد متبادلة؛ إذ تستخدم إسرائيل هذه العمليات لتبرير توسيع حملاتها العسكرية، فيما تؤدي ممارساتها إلى زيادة دوافع المواجهة.
وفيما يتعلق بإمكانية تنفيذ إسرائيل عملية عسكرية واسعة في الضفة الغربية، قال أبو رحمة إن التهديدات الإسرائيلية تبدو جدية، لكنها لا تعني بالضرورة تكرار نموذج الحرب المفتوحة في قطاع غزة، بسبب اختلاف الظروف الجغرافية والسياسية والديموغرافية، إضافة إلى تعقيدات وجود السلطة الفلسطينية وتداخل مناطق السيطرة في الضفة.
وأشار إلى أن السيناريوهات المحتملة قد تشمل عمليات واسعة ومتزامنة تستهدف مخيمات ومدن شمال الضفة، مع تكثيف الاغتيالات والاعتقالات، وربما إعادة فرض السيطرة العسكرية المؤقتة على بعض المناطق، تحت ذريعة ملاحقة الفصائل المسلحة وتفكيك بنيتها التنظيمية.
سياسة ممنهجة
من جهته، يرى المحلل السياسي أ. فايز سويطي أن التصعيد في الضفة الغربية يرتبط بسياسة إسرائيلية "ممنهجة ومبرمجة" تهدف إلى تغيير الواقع الميداني، تمهيدًا لمشاريع استيطانية أوسع.
وقال سويطي لـ"الاستقلال" إن اعتداءات المستوطنين تجري، ضمن تنسيق بين المستوى السياسي والأمني الإسرائيلي وقيادات المستوطنين، وتحظى بدعم سياسي ومالي وإعلامي من مسؤولين إسرائيليين، مشيرًا إلى أن العديد من هذه الاعتداءات تتم تحت حماية جيش الاحتلال.
وأضاف أن الهدف من هذه الهجمات يتمثل في دفع الفلسطينيين إلى مغادرة مناطقهم، باعتبار ذلك جزءًا من مسار يخدم مشاريع الضم والتوسع الاستيطاني، موضحًا أن أي عملية عسكرية إسرائيلية واسعة في الضفة قد تهدف إلى تنفيذ حملات اعتقال كبيرة، وترهيب الفلسطينيين، ومحاولة تقليص قدرات الفصائل المسلحة.
وأشار سويطي إلى أن التطورات الأخيرة، خصوصًا ما جرى في قرية تل قرب نابلس وما تبعها من أحداث في يطا، تمثل مرحلة مفصلية، معتبرًا أنها تعكس انتقال الفلسطينيين من حالة المراقبة والصمت إلى مواجهة الاعتداءات بأشكال مختلفة.
كما لفت إلى وجود تغير في الخطاب الفلسطيني الرسمي تجاه أحداث اعتداءات المستوطنين، مشيرًا إلى تصريحات لمسؤولين في السلطة الفلسطينية اعتبروا فيها أن المواطنين تصدوا لاعتداءات تعرضوا لها.
الضفة الغربية .. تصعيد اسرائيلي يفتح الباب أمام مواجهة أوسع
تقارير وحوارات


التعليقات : 0