الضفة المحتلة / سماح المبحوح:
تمضي حكومة الاحتلال الإسرائيلي بخطى متسارعة في تنفيذ مخطط يستهدف مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية المحتلة، عبر عمليات تدمير وتهجير ممنهجة بدأت بمخيمات جنين وطولكرم ونور شمس شمالًا، وتتجه نحو توسيع دائرة الاستهداف لتشمل باقي مخيمات الضفة.
ولا يقتصر هذا المخطط على تغيير المشهدين الجغرافي والديموغرافي، بل يستهدف طمس رمزية المخيم باعتباره شاهدًا حيًا على قضية اللاجئين، وتقويض هويته الوطنية والتاريخية، وصولًا إلى المساس بحق العودة بوصفه حقًا غير قابل للتصرف.
ومؤخرًا، صعّد وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، من تهديداته بتوسيع العدوان على الضفة الغربية المحتلة، معلنًا عزمه الدفع بقوات الاحتلال لاقتحام مخيم جديد، في إطار السياسة الإسرائيلية الهادفة إلى استهداف مخيمات اللاجئين. وزعم أن الإجراءات العسكرية التي تنتهجها حكومته أدت إلى تراجع العمليات الفلسطينية بأكثر من 80%، في محاولة لتبرير استمرار العدوان على مدن ومخيمات الضفة.
وفي السياق ذاته، كشف وزير المالية في حكومة الاحتلال، بتسلئيل سموتريتش، خلال الجلسة الأسبوعية لحكومته، عن التوجهات السياسية للأخيرة، مؤكدًا أن الاحتلال يتعامل مع الضفة الغربية باعتبارها "جزءًا لا يتجزأ" من إسرائيل، في انسجام مع مشاريع الضم وفرض السيادة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، في مخالفة صريحة للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
ومنذ 21 كانون الثاني/يناير 2025، يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي عدوانه العسكري الواسع على شمال الضفة الغربية المحتلة، والذي بدأ باقتحام مخيم جنين قبل أن يتوسع ليشمل مخيمي طولكرم ونور شمس، ضمن حملة عسكرية غير مسبوقة استهدفت مخيمات اللاجئين.
واتخذ العدوان منذ أيامه الأولى طابعًا تهجيريًا ممنهجًا، رافقته عمليات تدمير وتجريف واسعة، ما أسفر عن استشهاد وإصابة واعتقال المئات، وتهجير عشرات الآلاف من السكان قسرًا من مخيماتهم.
"احتلال مخيم"
ويرى المحلل والكاتب السياسي أمين أبو وردة أن استخدام وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس مصطلح "احتلال مخيم " يحمل دلالات تتجاوز مجرد اقتحام عسكري مؤقت، إذ يعكس توجهًا لتكرار النموذج الذي فرضه الاحتلال في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس ضمن عملية "السور الحديدي"، والقائم على تهجير السكان قسرًا، وتدمير البنية العمرانية وإعادة تشكيلها، وشق طرق تخدم تحركات الآليات العسكرية، وتحويل المنازل والمباني إلى ثكنات عسكرية، ثم الإبقاء على وجود عسكري دائم داخل المخيم.
ويضيف أبو وردة، في حديثه لـ"الاستقلال"، أن تصريحات كاتس تنسجم مع توجهات أقطاب اليمين الاستيطاني المتطرف في حكومة بنيامين نتنياهو، وفي مقدمتهم بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، والهادفة إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية على أكبر مساحة ممكنة من الضفة الغربية المحتلة، وتوسيع المشروع الاستيطاني، وتقويض وجود السلطة الفلسطينية عبر تفتيت التجمعات الفلسطينية وعزلها عن بعضها بعضًا، وبالتالي ينفي إمكانية وجود دولة فلسطينية مستقلة في المستقبل القريب.
وقال إن تهديدات كاتس تحمل أبعادًا سياسية تتجاوز الادعاءات الأمنية التي تسوقها حكومة الاحتلال، مشيرًا إلى أن الأوضاع في الضفة الغربية ومخيمات اللاجئين لا تبرر هذا التصعيد العسكري. وأضاف أن المبررات الإسرائيلية القائمة على ملاحقة "الإرهاب" تُستخدم غطاءً لتبرير سياسات تستهدف المخيمات والوجود الفلسطيني.
وتابع: "يسعى الاحتلال إلى السيطرة على الضفة الغربية المحتلة لتحقيق هدفين رئيسيين؛ أولهما فرض مزيد من السيطرة على مساحات واسعة منها، وثانيهما تقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات تواصل جغرافي موحد، عبر استهداف التجمعات الفلسطينية، ومنها مخيمات اللاجئين المرتبطة بقضية النكبة وحق العودة ووجود وكالة "أونروا".
يُذكر أن حكومة الاحتلال الإسرائيلي أقدمت منذ بداية عام 2025 على حظر عمل وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" في القدس الشرقية المحتلة، كما شرعت في تضييق عملها في الضفة الغربية المحتلة عبر فرض قيود على حركة موظفيها الأجانب ومنع إصدار تصاريح مرور لهم.
وأشار إلى أن الاحتلال برّر تدميره لمخيمات جنين وطولكرم ونور شمس بادعاءات وجود بؤر للمسلحين وأجنحة عسكرية، لافتًا إلى أن هذه الذرائع استُخدمت لتسوية أجزاء واسعة من المخيمات بالأرض، ومنع عودة سكانها إليها، وفرض واقع عسكري جديد تحت سيطرته منذ نحو عامين.
واعتبر أن هذه المبررات لا تصمد أمام حجم الدمار والتهجير الذي خلفته العمليات العسكرية، مشيرًا إلى أن الكلفة الإنسانية، وفق معطيات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، تُظهر أن أكثر من 33 ألف فلسطيني ما زالوا مهجرين من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس ومحيطها منذ مطلع عام 2025. وأضاف أن نقل هذا النموذج إلى مخيمات أخرى يعني توسيع دائرة التهجير القسري بحق آلاف الفلسطينيين، وليس مجرد ملاحقة مجموعات مسلحة كما تزعم إسرائيل.
وكشف موقع "والا" العبري أن كاتس طلب إعداد خطط لاحتلال مخيمات إضافية، ما يشير إلى أن استهداف المخيمات ليس مرتبطًا بحادثة بعينها، بل يأتي ضمن مسار عسكري وسياسي أوسع. وفي هذا السياق، استُخدمت أحداث قرية تل غرب نابلس كذريعة لتسريع هذا التوجه، رغم أن تفاصيل الحادثة أظهرت دخول عشرات المستوطنين إلى محيط القرية دون تنسيق مع الجيش، ووقوع مواجهات قرب مسجد القرية أسفرت عن استشهاد فلسطينيين، إلى جانب مقتل إسرائيليين اثنين وفق الرواية الإسرائيلية.
ابتلاع الضفة
ورجّح المفكر والكاتب الفلسطيني ورئيس مركز جنين للإعلام عدنان الصباح أن يطال مخطط الاحتلال مخيم قلنديا لقيمته الجغرافية وقربه من القدس المحتلة، أو مخيم عقبة جبر في الأغوار، في إطار مساعٍ لفرض السيطرة على مناطق استراتيجية ذات أهمية زراعية واقتصادية، وضمن سياسة تستهدف تقليص الوجود الفلسطيني وفرض وقائع جديدة على الأرض.
وشدد الصباح، في حديثه مع "الاستقلال"، على أن الاحتلال يسعى إلى ابتلاع ما تبقى من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، والتي لا تتجاوز، بحسب تقديره، 8%، مشيرًا إلى أن ذلك يتم عبر خلق أزمات متلاحقة تدفع الفلسطينيين إلى الهجرة القسرية من أرضهم ومنازلهم، تشمل أزمات الوقود والمياه والرواتب، وتقييد إدخال البضائع والتنقل بين المدن والبلدات، إلى جانب إغلاق المعابر والطرق، فضلًا عن استهداف مخيمات اللاجئين وتدميرها.
وأوضح أن الاحتلال يسعى إلى نقل نهج التدمير الذي اتبعه في قطاع غزة إلى مخيمات الضفة الغربية المحتلة، مشيرًا إلى أن تصريحات قادته بشأن ضرورة استهداف المخيمات تكشف توجهًا نحو تدميرها وفرض واقع جديد فيها. وأضاف أن تصريحات نتنياهو للمستوطنين والأجهزة الأمنية، تعكس سياسة قائمة على ملاحقة الفلسطينيين وحرمانهم من الشعور بالأمن والاستقرار.
وبين المحلل السياسي، أن قضية اللاجئين تمثل، بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي، القضية الأخطر، لذلك يستهدف مقوماتها عبر الحرب على وكالة "أونروا"، والعدوان على غزة، واستهداف مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية.
وحذّر من أن غياب آليات فاعلة لوقف الانتهاكات المتواصلة سيؤدي إلى تداعيات خطيرة على الشعب الفلسطيني، منتقدًا ما وصفه بضعف التحرك السياسي الفلسطيني، وغياب المواجهة الفاعلة عبر المسارات الدولية والدبلوماسية والحقوقية.


التعليقات : 0