خريطة طريق غزة للمرحلة الثانية.. اتفاق بلا ضمانات كافية

خريطة طريق غزة للمرحلة الثانية.. اتفاق بلا ضمانات كافية
تقارير وحوارات

غزة/ معتز شاهين:
في تطور لافت لمسار المفاوضات بشأن وقف الحرب في قطاع غزة، وترتيبات مرحلة ما بعد الحرب، برزت مسودة اتفاق، أو ما يُعرف بـ"خريطة الطريق"، للانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وسط ترحيب من الوسطاء ودعم أمريكي، وقبول من فصائل المقاومة مشفوعًا بتحفظات وشكوك بشأن مدى التزام إسرائيل بالتنفيذ.
ورغم أهمية هذه التفاهمات وما تتضمنه من بنود تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي وإدارة القطاع وإعادة الإعمار وملف سلاح المقاومة، فإنها لا تزال تواجه عقبات سياسية وأمنية معقدة، في ظل غياب ضمانات ملزمة واستمرار الخلافات حول ملفات جوهرية، ما يثير تساؤلات بشأن فرص نجاحها.
ويقول محللون سياسيون إن تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار يواجه عدة عقبات، أبرزها غياب آليات واضحة تحدد كيفية وموعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، إلى جانب التردد بشأن إدخال لجنة إدارة غزة والقوات الدولية إلى المناطق التي لا تزال تخضع للسيطرة الإسرائيلية.
واعتبر هؤلاء، في أحاديث منفصلة مع صحيفة "الاستقلال" أمس الأحد، أن الضمانات المطروحة لا تزال "شفوية" وغير ملزمة، محذرين من إمكانية انهيار الاتفاق في ظل خروقات إسرائيلية سابقة لم تقابل بتدخل أمريكي حاسم.
وكان ما يسمى بـ"مجلس السلام" قد أعلن مؤخرًا طرح خريطة طريق للانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، تتضمن إعداد جدول زمني للتنفيذ خلال أسبوعين من موافقة الأطراف، إلى جانب بدء عمل اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة ونقل مهام الشرطة إليها، بالتزامن مع وقف الاحتلال عملياته العسكرية. وفي المقابل أعلنت حركة حماس موافقتها على مقترح الوسطاء لاستكمال مراحل الاتفاق.
وفي الجانب الإسرائيلي، برزت اعتراضات على بعض بنود الاتفاق؛ إذ أفادت صحيفة "هآرتس" بأن تل أبيب وضعت ثلاثة شروط رئيسية أمام اتفاق "مجلس السلام" مع حركة حماس، تتعلق بملف السلاح وآلية التحقق من التنفيذ وحرية تحرك جيش الاحتلال.
وبحسب الصحيفة، تطالب إسرائيل بتدمير أسلحة الحركة بالكامل، وترفض الاكتفاء بجمعها ووضعها تحت إدارة فلسطينية، كما تعترض على مشاركة قطر وتركيا في آلية التحقق من تنفيذ مراحل الاتفاق. كذلك تسعى إلى الحفاظ على حرية تحرك جيش الاحتلال وتنفيذ عمليات عسكرية، حتى داخل المناطق التي ستتولى مسؤوليتها لاحقًا قوة الاستقرار الدولية والشرطة الفلسطينية.
ما بعد الحرب
وأكد الكاتب والمحلل السياسي د. سعيد أبو رحمة أن التفاهمات المطروحة للانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تمثل في حال تنفيذها انتقالًا من إدارة الحرب إلى إدارة مرحلة ما بعد الحرب، إذ تشمل الانسحاب الإسرائيلي وترتيبات إدارة القطاع، وإعادة الإعمار، إلى جانب ملف السلاح، ما يجعلها أكثر شمولًا من أي تفاهمات سابقة.
وأوضح أبو رحمة، في حديثه لـ"الاستقلال"، أن نجاح هذه المرحلة لن يتحدد بما يُعلن في البيانات السياسية، وإنما بمدى الالتزام بتنفيذ الانسحاب الإسرائيلي وفق الجدول الزمني المتفق عليه، وتمكين الإدارة الفلسطينية من القيام بمهامها، وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار وعودة الحياة الطبيعية.
وأضاف أن استمرار الدور الأمريكي، إلى جانب الوساطة المصرية والقطرية والتركية، قد يمنح الاتفاق قدرًا أكبر من الجدية، إذا اقترن بضمانات وآليات عملية تُلزم جميع الأطراف بتنفيذ التزاماتها.
وفي تعليقه على ما أوردته صحيفة "هآرتس" بشأن الاعتراضات الإسرائيلية على الاتفاق، قال أبو رحمة إن هذه الاعتراضات تكشف أن الخلاف لم يعد مقتصرًا على وقف إطلاق النار، بل يمتد إلى شكل إدارة قطاع غزة في اليوم التالي للحرب، والجهة التي تمتلك القرارين الأمني والسياسي.
وبيّن أن إصرار إسرائيل على تدمير سلاح الفصائل بالكامل يعكس رغبتها في إنهاء أي قدرة عسكرية مستقلة داخل القطاع، فيما يعكس رفضها مشاركة قطر وتركيا في آلية التحقق سعيها إلى حصر الضمانات بأطراف تنسجم مع رؤيتها الأمنية. كما اعتبر أن التمسك بحرية تنفيذ عمليات عسكرية حتى داخل المناطق التي ستتولى إدارتها قوة الاستقرار الدولية والشرطة الفلسطينية يتعارض مع أي مسار يهدف إلى تثبيت الاستقرار وإطلاق عملية إعادة الإعمار.
وأضاف أن هذه المواقف، إذا صحت، تشير إلى أن المفاوضات لم تصل بعد إلى مرحلة الحسم، وأن إسرائيل تسعى إلى تحسين شروطها التفاوضية قبل الانتقال إلى التنفيذ، مؤكدًا أن نجاح الاتفاق سيظل مرتبطًا بقدرة الوسطاء، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة ومصر وقطر، على التوصل إلى صيغة توازن بين المتطلبات الأمنية الإسرائيلية وضمان قيام إدارة مستقرة في قطاع غزة.
وشدد أبو رحمة، على أن نجاح المرحلة الثانية لن يُقاس فقط بمدى التزام الأطراف ببنودها، وإنما بقدرتها على إعادة الأمل لأكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة، وفتح الباب أمام مرحلة عنوانها الأمن والاستقرار وإعادة بناء ما دمرته الحرب.
ضمانات هشة
من جهتها، ترى الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة أن التفاهمات التي جرى التوصل إليها للانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، رغم أهميتها، لا تزال تواجه عقبات كبيرة قد تعرقل تنفيذها، في ظل غياب ضمانات ملزمة واستمرار الخلافات حول عدد من الملفات الأساسية.
وأوضحت عودة، في حديثها لصحيفة "الاستقلال"، أن موافقة حركة حماس على تجميد السلاح أو تخزينه وليس تسليمه، تعكس رغبتها في "نزع أي ذريعة إسرائيلية لاستمرار الحرب والقصف وعرقلة إعادة الإعمار"، مع تمسك الحركة بحقها في المقاومة.
وأكدت أن حماس ربطت أي خطوة تتعلق بحصر السلاح بانسحاب جيش الاحتلال من القطاع وحل المجموعات المسلحة المتعاونة مع الاحتلال، وهو ما اعتبرته "تكتيكًا سياسيًا" لم يحظَ بقبول إسرائيل.
وأضافت أن تنفيذ الاتفاق يواجه عدة تحديات، أبرزها احتمال عدم انسحاب الاحتلال من قطاع غزة وفق الاستحقاقات المتفق عليها، فضلًا عن الاعتبارات الداخلية الإسرائيلية، في ظل اقتراب الانتخابات ورفض أحزاب اليمين لأي اتفاق قد يُنظر إليه باعتباره تنازلًا لصالح حماس، الأمر الذي يضع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أمام حسابات سياسية معقدة.
وأشارت عودة إلى أن من بين العقبات أيضًا غياب آليات واضحة تحدد كيفية وموعد الانسحاب الإسرائيلي، إلى جانب ما وصفته بتردد الجهات المعنية في إدخال لجنة إدارة غزة والقوات الدولية إلى المناطق التي تسيطر عليها حماس، وهو ما قد يؤدي إلى تأخير تنفيذ التفاهمات المتعلقة بملف السلاح.
وفيما يتعلق بالضمانات، اعتبرت عودة أن الضمانات الحالية "شفوية" وصادرة عن مسؤولين في الإدارة الأمريكية، وليست موثقة أو ملزمة، مضيفة أنها لا ترى وجود ضمانات حقيقية تحول دون انهيار الاتفاق، مستشهدة بما حدث في اتفاقات سابقة شهدت خروقات إسرائيلية دون تدخل أمريكي حاسم.
كما شككت في مدى إمكانية التعويل على الضمانات الأمريكية والدولية لإلزام إسرائيل بتنفيذ الاتفاق، معتبرة أن الإدارة الأمريكية الحالية منحازة لإسرائيل، وأنها قد تتغاضى عن أي خروقات مستقبلية، كما حدث سابقًا.
ولفتت المحللة السياسية إلى أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وعمليات الاغتيال، رغم التفاهمات، يعزز حالة القلق في غزة، ويعكس رفض إسرائيل لأي دور لحركة حماس في القطاع. وأضافت أن غياب الثقة بالضمانات الأمريكية واستمرار التصعيد يجعلان التفاؤل الشعبي تجاه الاتفاق حذرًا، خشية تعثره أو انهياره كما حدث في تجارب سابقة.

التعليقات : 0

إضافة تعليق