شباك فارغة وقوارب مدمرة.. كيف أنهكت الحرب صيادي غزة؟

شباك فارغة وقوارب مدمرة.. كيف أنهكت الحرب صيادي غزة؟
تقارير وحوارات

غزة/ آية عبد العال:

لم تعد رحلات الصيد في قطاع غزة تنتهي كما كانت سابقًا، فبدل العودة بشباك ممتلئة، بات كثير من الصيادين يعودون بصيد قليل أو دون أي حصيلة، بعدما غيّرت الحرب الإسرائيلية المستمرة على القطاع منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 ملامح مهنة الصيد في غزة، وحولت مصدر رزق آلاف الأسر إلى رحلة يومية محفوفة بالخسارة والمخاطر.

وبين تقلص مناطق الصيد، وتدمير القوارب والمعدات وارتفاع تكاليف التشغيل، يواجه الصيادون واقعًا يهدد استمرار مهنتهم، فيما انعكس تراجع الإنتاج على الأسواق المحلية، مع انخفاض المعروض من الأسماك وارتفاع أسعارها.

تقلص الصيد

على شاطئ بحر النصيرات وسط قطاع غزة، يقف الصياد محمد أبو رخية (38 عامًا) أمام قارب كان يوما مصدر رزقه الأساسي، مستعيدا تفاصيل سنوات طويلة قضاها في البحر الذي ارتبط به منذ طفولته.

قبل الحرب، كان أبو رخية يخرج مع ساعات الفجر الأولى، ويعود في كثير من الأيام محملًا بأكثر من 50 كيلوغرامًا من الأسماك، يبيعها للتجار لتأمين احتياجات أسرته المكونة من ثمانية أفراد، إلى جانب أجور العمال الذين يعملون معه.

لكن الحال تغير، إذ يقول إن الرحلات التي كانت توفر دخلًا جيدًا أصبحت اليوم لا تحقق سوى نحو خمسة كيلوغرامات بعد أيام من العمل، فيما يعود أحيانًا دون أي صيد.

ويعزو ذلك إلى تقلص مساحة الصيد، والخشية من الاقتراب من المناطق الأبعد بسبب ملاحقة زوارق الاحتلال للصيادين وإطلاق النار عليهم واعتقال عدد منهم، ما دفع كثيرين للعمل في مساحات بحرية محدودة تقل فيها كميات الأسماك.

ويشير إلى أن الصيادين اضطروا للاعتماد أكثر على شباك الجرف، التي تحتاج إلى أعداد كبيرة من العمال لسحبها، لكنها تتعرض للتلف سريعًا بسبب احتكاكها بالصخور، في ظل ارتفاع أسعار صيانتها ونقص بعض المواد اللازمة لإصلاحها.

ورغم امتلاكه قاربه، إلا أن تشغيله أصبح عبئًا إضافيًّا، نتيجة ارتفاع أسعار الزيوت ومستلزمات الصيانة، في وقت لا يغطي فيه مردود الصيد هذه التكاليف.

ويقول لـ"الاستقلال": "قد أستطيع البحث عن مصدر دخل آخر إذا اضطررت، لكن العمال الذين يعملون معي لا يملكون بديلًا، ولهذا أواصل العمل رغم الخسائر".

ولا يخفي أبو رخية ارتباطه بالبحر رغم الظروف القاسية، مؤكدًا أنه يأمل انتهاء الحرب وعودة مساحة الصيد كما كانت، حتى يتمكن الصيادون من استعادة مهنتهم ومصدر رزقهم.

فقدان المعدات

لا يختلف حال أبو رخية عن مئات الصيادين الذين فقدوا قواربهم ومعداتهم، أو أُجبروا على هجر المهنة بعدما عجزت رحلات البحر عن توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة. ومن بين هؤلاء الصياد أحمد الغول (54 عامًا)، الذي لم يكن يتوقع أن تنتهي سنوات عمله في البحر بفقدان كل أدواته، إثر تدمير قاربه ومعدات صيده التي كان يعتمد عليها كمصدر دخل وحيد."

ويوضح الغول لـ "الاستقلال": أن إعادة شراء المعدات أصبحت شبه مستحيلة في ظل ارتفاع أسعار مستلزمات الصيد ومنع إدخال العديد منها إلى قطاع غزة، ما اضطره إلى مرافقة بعض أصدقائه في رحلات محدودة دون مردود يذكر.

ويضيف الغول، أن الأزمة لم تطل الصيادين الذين فقدوا أدواتهم فقط، بل طالت أيضًا من بقي لديهم قوارب وشباك، بسبب تقلص مناطق الصيد وتراجع كميات الأسماك وارتفاع تكاليف التشغيل.

ويؤكد أن فقدان أدواته لم يكن فقدانًا لمصدر رزقه فقط، بل ابتعادًا قسريًا عن مهنة ارتبط بها سنوات طويلة، مشيرًا إلى أن العودة إلى البحر باتت مرهونة بقدرته على توفير معدات جديدة.

ترك المهنة

أما فراس عبد العال (30عامًا)، فكان يعمل مساعداً لصيادين آخرين، معتمدًا على ما يجنيه من صيد البحر في إعالة أسرته، قبل أن تدفعه ظروف الحرب إلى ترك المهنة والبحث عن مصدر دخل آخر.

ويقول إن العمل في البحر أصبح يستنزف الوقت والجهد دون مقابل، إذ كان يبدأ يومه قبل شروق الشمس، ويقضي ساعات في سحب الشباك، ليعود في كثير من الأحيان بأجرة قليلة جداً لا تكفي احتياجات أسرته.

ومع تزايد الأعباء المعيشية، قرر ترك العمل في البحر، واتجه إلى إقامة بسطة صغيرة لبيع المواد الغذائية، موضحًا أن ربط قوت أطفاله بما يجود به البحر لم يعد خيارا ممكنا، وأن مسؤولية إعالة أسرته فرضت عليه البحث عن مصدر رزق أكثر استقرارًا.

خسائر القطاع

 ويؤكد رئيس نقابة الصيادين في غزة زكريا بكر، واقع قطاع الصيد بأنه الأصعب منذ عقود، مشيرا إلى  أن الحرب تسببت بتدمير واسع في القطاع، الذي كان يعاني أصلًا من القيود المفروضة على عمل الصيادين.

ويقول بكر لـ "الاستقلال" إن أكثر من 95% من ممتلكات الصيادين تعرضت للتدمير، بما يشمل القوارب والشباك والمحركات وأجهزة الملاحة، إلى جانب مرافق مرتبطة بالقطاع، مثل ورش إصلاح القوارب ومصانع الثلج وحسبة السمك وسوق الدلالة.

ويضيف أن قطاع الصيد كان يضم قبل الحرب نحو 1200 قارب تعمل بالمحركات، إضافة إلى نحو ألف حسكة مجداف، إلا أن الحرب دمرت جميع اللنشات، وأكثر من 800 حسكة بمحرك، ونحو 600 حسكة مجداف، كما أدت إلى استشهاد نحو 283 صيادًا، وإصابة واعتقال عدد كبير منهم.

ويشير بكر إلى أن عددًا محدودًا من الصيادين تمكنوا من العودة إلى البحر بعد إعادة استخدام بعض القوارب المتضررة وانتشال معدات صالحة من بين الأنقاض، لكنهم يعملون في مساحة بحرية ضيقة لا تتجاوز كيلو مترًا واحدًا، وسط مخاطر الاستهداف المستمر.

ويلفت بكر إلى أن هذا الواقع انعكس بشكل مباشر على إنتاج الأسماك، إذ تراجع من نحو 15 إلى 20 طنًا يوميًا قبل الحرب، إلى ما يقارب 15 طنًا شهريًا فقط، معظمها من الأسماك الصغيرة منخفضة القيمة الاقتصادية، بسبب عدم قدرة الصيادين على الوصول إلى مناطق الصيد الغنية.

كما يوضح أن نقص معدات الصيد يمثل تحديًا إضافيًا، في ظل منع إدخال الشباك والمحركات ومواد تصنيع القوارب والأجهزة اللازمة للعمل، ما دفع الصيادين إلى الاعتماد على أدوات قديمة ومتهالكة.

ويؤكد بكر أن إنقاذ القطاع يتطلب فتح البحر أمام الصيادين، والسماح بإدخال معدات الصيد، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتعويض المتضررين، محذرًا من أن استمرار تراجع الإنتاج لا يهدد الصيادين وحدهم، بل ينعكس على الأمن الغذائي لسكان القطاع.

أثر اقتصادي

ولا تقتصر تداعيات تراجع قطاع الصيد على العاملين فيه، بل امتدت إلى الأسواق المحلية والأنشطة المرتبطة به، وفق الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر.

ويوضح أبو قمر لـ"الاستقلال" أن قطاع الصيد كان يمثل أحد القطاعات الإنتاجية المهمة في غزة، ومصدر دخل لآلاف الأسر، فضلا عن دوره في تلبية احتياجات السوق المحلية من الاسماك، وتصدير جزء من الإنتاج إلى أسواق الضفة الغربية قبل الحرب.

ويؤكد أن توقف هذا النشاط أدى إلى تراجع الحركة التجارية المرتبطة به، ودفع الأسواق إلى الاعتماد بشكل أكبر على الأسماك المجمدة التي تباع بأسعار أعلى، في ظل انخفاض المعروض من الإنتاج المحلي، وهو ما انعكس على قدرة المواطنين من الحصول على هذا المصدر الغذائي.

ويحذر أبو قمر من أن استمرار تدهور قطاع الصيد سيزيد من معدلات البطالة والفقر، ويعمق حالة الانكماش الاقتصادي، في ظل فقدان آلاف العاملين لمصادر دخلهم.

ويؤكد أن إعادة تنشيط القطاع تحتاج إلى إجراءات عاجلة، تشمل توسيع مساحة الصيد، وتعويض الصيادين المتضررين، وإدخال القوارب والمحركات والشباك ومعدات العمل، بما يساعد على استعادة القدرة الإنتاجية للقطاع.

التعليقات : 0

إضافة تعليق