الاستقلال/ انس أبو عقلين:
تجاعيد وجهها وكأنها خارطة من الحزن والألم، رسمت تضاريسها دموع الفقد التي طالما انهمرت بصمت الصابرة المحتسبة أوجاعها عند ربها، لا ترجو إلا حسن الخاتمة، ثم لقاء أبنائها الثمانية الذين فقدتهم واحدا تلو الآخر، ووارتهم التراب بنفس يديها اللتين حملتهم وربتهم عليهما صغارا.
بين التسبيح والدعاء والذكريات، تقضي الحاجة فاطمة العجيلي (أم شحدة) جُلّ وقتها جالسة على باب خيمتها في مخيمات النزوح بمواصي خان يونس جنوب قطاع غزة.
تسعون عاماً بأفراحها وأحزانها، حفرت أخاديدها على وجه الحاجة (أم شحدة)..لكن تجاعيد وجهها لا تقارن بالندوب التي تركتها حرب الإبادة في روحها، فقد ابتلعت الحرب أبناءها الثلاثة شهداء، بعد أن ثكلت خمسة آخرين توفوا خلال عقود عمرها، لتجد نفسها وحيدة، تتكئ على ذكرياتهم، وتبحث عنهم في وجوه أيتامهم.
ترملت الحاجة فاطمة وهي في ريعان شبابها، لم تتجاوز التاسعة والثلاثين من عمرها آنذاك، كابدت قسوة الحياة لتلعب دور الأب والأم، ربت أبناءها بدموع العين وعرق الجبين، وكبروا ليصبحوا سندها وعكازها الذي تتوكأ عليه في شيخوختها. لكن آلة الحرب لم ترحم شيبتها، فكسرت عكازها، قطعةً تلو الأخرى.
رحلة النزوح المريرة
لم تكن فجيعة الفقد هي أولى محطات العذاب؛ بل سبقتها رحلة نزوحٍ قاهرة لا يتحملها جسدٌ في التسعين. بخطواتٍ متثاقلة وأنفاسٍ لاهثة، أُجبرت الحاجة فاطمة على الهروب من الموت خمس مرات متتالية.
بدأت رحلة التغريبة والنزوح من مدينة رفح، لتفر تحت القصف إلى منطقة التحلية (الشيخ ناصر)، ومنها هربت إلى منطقة معن، ثم شردتها النيران إلى منطقة الأقصى، لينتهي بها المطاف نازحةً ومكلومة داخل خيام "مدينة أصداء" في خان يونس.
تقول الحاجة (العجيلي) لـ_"الاستقلال" التي زارتها في خيمتها: "عمري تسعون سنة.. بس هدول الثلاث سنين الأخيرة كانوا أصعب سنين عشتهم في كل حياتي، أنا بس بصلي وبدعي لأولادي اللي راحوا وخلوني."
بداية الفاجعة
بدأ عام الحزن في الرابع من نوفمبر 2023، حيث كانت طائرات الموت تحوم فوق حي الجنينة في رفح، حين استهدفت منزل نجلها "عطا الله العجيلي"، وفي لحظةٍ واحدة، مُسح المنزل بمن فيه، استشهد عطا الله وزوجته "نورا"، وأبناؤهم يوسف (20 عاماً)، وآية (22 عاماً)، وصفوة (18 عاماً).
أما الحفيد الرابع "محمد"، فقد خرج من تحت الركام ليعيش ما تبقى من عمره مبتور القدمين، شاهداً حياً على مجزرةٍ أتت على الأخضر واليابس.
لم يكد قلب الأم يلملم أشلاءه بعد فقد عطا الله وعائلته، حتى جاء الثاني عشر من يوليو 2024 ليحمل الفاجعة الثانية، بحسب وصفها، ففي مدينة أصداء بخان يونس، ارتقى نجلها "محمد" شهيداً في قصف من طائرات الاحتلال، تاركاً خلفه خمسة أطفال، يواجهون يتمهم في خيام النزوح.
العناق الأخير
استشهاد محمد يحمل في قلب الحاجة فاطمة غصةً تذيب الحجر، فقبل استشهاده بيومٍ واحد، زارته في خيمته، تستذكر تلك اللحظة ودموعها تسبق كلماتها، حيث ألح عليها محمد بالبقاء، أمسك بيديها المجعدتين، طبع عليهما قبلاتٍ حارة، وكان يترجاها بعيونٍ دامعة: "خليكي نامي عندي الليلة يا أمي".
رفضت الحاجة وعادت إلى مكان نزوحها، ولم تكن تعلم أن هذا هو العناق الأخير.
تضرب الحاجة كفاً بكف وتبكي بحرقة الأمهات وهي تقول: "يا ريتني وافقت.. يا ريتني نمت عنده هديك الليلة وشبعت منه قبل ما يروح".
رحيل السند الأخير
بعد شهرٍ ونيف من استشهاد محمد، وتحديداً في الرابع والعشرين من أغسطس 2024، كانت طائرات الاستطلاع الإسرائيلية ترصد الأنفاس في "منطقة العطار". هناك، باغت صاروخٌ غادر نجلها الثالث والأخير "سعيد"، ليرتقي شهيداً، ويُسدل الستار على حياة أبنائها الثلاثة، الذين لحقوا بإخوانهم الخمسة، ويُكتب على الحاجة فاطمة أن تعيش ما تبقى من عمرها بلا أبناء.
بشرى في ليلة القدر
وسط هذا الظلام الدامس والوجع الذي لا ينتهي، لم يترك الله قلب هذه العجوز الصابرة دون مواساة، ففي ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك (ليلة القدر)، غفت الحاجة فاطمة وعيناها مبللتان بالدموع، لترى رؤيا مسحت على قلبها كبلسمٍ من السماء.
تروي الحاجة أنها رأت النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في منامها، اقترب منها وبشرها صراحةً بأن أبناءها الشهداء يتنعمون في الجنة. تلك الرؤيا هي الحبل السري الذي يربطها بالحياة اليوم، تستمد منها صبراً فوق صبرها، ويقيناً بأن اللقاء قريب في مكانٍ لا حرب فيه ولا نزوح ولا طائرات.
اليوم، تجلس الحاجة فاطمة العجيلي في خيمتها البالية، تسبح بحمد ربها، تنظر إلى أحفادها الأيتام، وحفيدها مبتور القدمين، وتنتظر بصمتٍ ووقار لحظة العبور الأخير، لتلتقي بمن ربتهم صغاراً، وزفتهم في شيخوختها شهداء.


التعليقات : 0