غزة/ سماح المبحوح:
لم تعد الطائرات الورقية، المصنوعة من أعواد خشبية رفيعة وورق ملون، مجرد لعبة تمنح أطفال قطاع غزة مساحة للفرح واللعب؛ فالتهديدات الإسرائيلية باستهداف مطلقيها ألقت بظلال من الخوف على الأطفال وذويهم، الذين باتوا يخشون أن يتحول اللعب إلى سبب قد يعرّض أبناءهم للقتل.
ووفق هيئة البث الإسرائيلية، تستعد قوات الاحتلال لتلقي توجيهات من القيادة السياسية لتكثيف عمليات الاغتيال والهجمات في قطاع غزة، عقب الحديث عن تحليق طائرات ورقية من القطاع باتجاه المستوطنات المحاذية له.
وسبق ذلك تهديد علني من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس، اللذين هددا في بيان مشترك بتنفيذ عمليات اغتيال وإخلاء أحياء في غزة، في حال عدم توقف حركة حماس، وفق ما ورد في البيان، عن إطلاق الطائرات الورقية والمسيّرات.
وفي إطار التصعيد، أطلقت وسائل إعلام إسرائيلية على الظاهرة وصف "إرهاب الطائرات الورقية"، فيما ذهب كاتس إلى اعتبار إطلاقها "عملًا حربيًا بكل معنى الكلمة"، في توصيف أثار مخاوف من تحويل لعبة يمارسها الأطفال إلى ذريعة لتصعيد عسكري جديد.
ويأتي هذا الاستنفار رغم الإقرار الإسرائيلي بأن الطائرات الورقية التي يجري الحديث عنها لا تحمل متفجرات، في استعادة لمشهد عام 2018، حين أطلق فلسطينيون من قطاع غزة طائرات ورقية وبالونات حارقة تسببت في اندلاع حرائق داخل مناطق زراعية في المستوطنات المحاذية للقطاع.
وتصاعدت حدة الخطاب الإسرائيلي بعدما تبنّى "مجلس السلام"، الذي تقوده الولايات المتحدة ويشرف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، توصيفًا يدرج إطلاق الطائرات الورقية من القطاع ضمن ما وصفه بـ"الأنشطة المسلحة"، مطالبًا بوقفها، رغم تأكيد المعطيات الميدانية أن الطائرات التي وصلت إلى مناطق إسرائيلية محاذية للقطاع لم تكن تحمل مواد متفجرة أو حارقة.
وأمام هذه التهديدات، دعت اللجان الشعبية التي تضم ممثلين عن منظمات محلية وجمعيات خيرية تدير مخيمات ومراكز إيواء في غزة، أولياء الأمور إلى منع أطفالهم من إطلاق الطائرات الورقية، خشية تعرضهم للاستهداف.
وهكذا، يجد أطفال غزة أنفسهم أمام مفارقة جديدة؛ فطائرة ورقية كانت في السابق وسيلة بسيطة للعب والتحليق فوق الخيام والمنازل، أصبحت اليوم مرتبطة في أذهانهم وذويهم بالخوف من الاستهداف، في واقع يضيّق حتى على أبسط مساحات الطفولة
خوف وقلق
على مقربة من مخيم الأمل للنازحين في منطقة النفق بمدينة غزة، تجمع الطفل محمد عبد العال، البالغ من العمر 10 أعوام، وعدد من أصدقائه حول طائراتهم الورقية، محاولين ضبط توازن الخيوط والأعواد بما يسمح لها بالارتفاع في السماء دون أن تسقط.
لكن لحظات اللعب لم تدم طويلًا؛ إذ سارعت والدة محمد إلى انتزاع الطائرة من يده، ورفعت صوتها مطالبة الأطفال بعدم إطلاق طائراتهم، بعدما استشعرت الخطر في لعبة اعتادوا ممارستها دون خوف.
كانت الأم قد سمعت التهديدات الإسرائيلية باستهداف مطلقي الطائرات الورقية من قطاع غزة، ولم تعد قادرة على التعامل معها باعتبارها مجرد تصريحات عابرة.
ومع تعلق محمد وأصدقائه بهذه اللعبة، أصبح القلق من أن يتحول خيط رفيع يحمل قطعة من الورق إلى سبب لفقدان طفلها أو أحد أصدقائه حاضرًا في كل مرة يخرجون فيها للعب.
وتقول أم محمد لـ"الاستقلال": "لم أستطع تجاهل تهديدات الاحتلال الإسرائيلي، الذي اعتاد ارتكاب الجرائم دون رادع، وعندما تصدر هذه التهديدات عن أعلى المستويات السياسية والعسكرية، فإنني آخذها على محمل الجد، خصوصًا أن أطفال غزة عاشوا طوال سنوات الحرب تحت الخوف، وأصبحت حتى تفاصيل حياتهم البسيطة مصدرًا للقلق".
وتضيف: "من شدة خوفي انتزعت الطائرة من يد ابني، وصرخت في أصدقائه حتى لا يطلقوها، ثم شرحت لهم أن الاستمرار في اللعب بها قد يعرّضهم للخطر، لكنني لا أستطيع أن أفهم كيف يمكن لطائرة مصنوعة من الورق أو قطعة نايلون وأعواد وخيط أن تتحول إلى خطر يستدعي كل هذه التهديدات".
وبالنسبة إلى محمد وأصدقائه، لم تكن الطائرة الورقية يومًا وسيلة للمواجهة أو أداة عسكرية، بل لعبة بسيطة يصنعونها بأيديهم، وتمنحهم لحظات نادرة من الفرح في واقع حُرمت فيه الطفولة من كثير من مساحاتها الطبيعية.
ومع استمرار الحرب، أصبحت الألعاب التي كانت متاحة للأطفال قبلها نادرة أو باهظة الثمن، فيما دمرت مساحات واسعة اعتادوا اللعب فيها، لذلك اتجه كثير منهم إلى صناعة ألعابهم بأنفسهم من مواد متوفرة حولهم، كالورق والنايلون والخيوط والأعواد الخشبية.
غير أن هذه المساحة البسيطة من اللعب باتت هي الأخرى مهددة؛ فالأطفال الذين كانوا يركضون خلف طائراتهم الورقية ويتابعونها وهي ترتفع في السماء، أصبحوا يتعلمون الآن أن ينظروا إليها بعين الخوف، وأن يسألوا قبل إطلاقها: هل يمكن أن تجعلنا هدفًا؟
حجة "إسرائيلية" سخيفة
يرى الكاتب والمحلل السياسي نهاد أبو غوش أن التهديدات الإسرائيلية باستهداف مطلقي الطائرات الورقية في قطاع غزة تندرج ضمن نهج إسرائيلي متكرر، يقوم على افتعال ذرائع للتصعيد كلما ظهرت مؤشرات على انفراج سياسي أو تصاعد الضغط الدولي باتجاه التوصل إلى تسوية.
ويقول أبو غوش لـ"الاستقلال" إن إسرائيل لا تحتاج إلى ذرائع كبيرة لتبرير التصعيد، وإن تحويل الطائرات الورقية إلى قضية أمنية وعسكرية يعكس، في تقديره، محاولة للعثور على مبرر للتنصل من الاستحقاقات السياسية المقبلة، وإبقاء قطاع غزة في حالة توتر تمنع استقراره والانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
ويضيف: "الطائرات الورقية حجة إسرائيلية سخيفة وتافهة، والهدف الحقيقي هو منع قطاع غزة من الاستقرار والانتقال إلى المرحلة الثانية".
ويرى أبو غوش أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يرغب في الذهاب إلى انتخابات بينما يرى قطاع غزة يتعافى ويبدأ بإعادة بناء حياته، معتبرًا أن التصعيد قد يتحول إلى أداة لإفشال أو تأجيل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، ولا سيما في ظل ما تشير إليه استطلاعات الرأي من تراجع فرص حزب الليكود في تشكيل الحكومة القادمة.
ويشير إلى أن البحث الإسرائيلي عن ذريعة للتصعيد يأتي في وقت وافقت فيه حركة حماس على خريطة الطريق، وحظيت الخطة بتأييد الوسطاء وثماني دول عربية وإسلامية، وهو ما يرى أنه أربك الحسابات الإسرائيلية وعرقل، وفق تقديره، مخططًا لتوسيع العمليات العسكرية في قطاع غزة قبيل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
وفي ما يتعلق بموقف "مجلس السلام" من إطلاق الطائرات الورقية، يصف أبو غوش موقف المجلس بأنه "مستهجن"، معتبرًا أنه يتبنى، في كثير من الملفات، الرواية والمواقف الإسرائيلية، سواء في ما يتعلق بالخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، أو توصيف إطلاق الطائرات الورقية، أو مواقف أخرى مرتبطة بقرارات مجلس الأمن وخطة الطريق.
ويقول" إن هذا الموقف يعكس اختلالًا في تعامل المجلس مع طرفي الصراع، ويمنح إسرائيل مساحة أوسع لتقديم ذرائعها بوصفها مبررات أمنية، بدل التعامل معها باعتبارها جزءًا من سياق سياسي أوسع يفرض على جميع الأطراف الالتزام بالاتفاقات والاستحقاقات المترتبة عليها".


التعليقات : 0