رفح / محمد مهدي
متحمسا تقدم الشبل مجدي السطري (12 عاما) صوب السلك الشائك مفعماً بروح الاصرار حالما بالعودة لبلدته الرملة؛ ليرفع عليه علم فلسطين الذي انتشى قلبه بحبها ويسحب أجزاء منه قبل أن يحين دور الشهادة، فيستلقي على أرض الوطن قبل أن يغطيه رفاقه بعلم الوطن ويرفعوه على اكتافهم حسب السيناريو الذي وضعه أطفال مخيم الشابورة لحكايتهم المصورة ، ويسيروا وهم يرفعونه على الاكتاف.
لم يدرك أي من أشبال وأطفال مخيم الشابورة أن الفيديو الذي لم يمض على تسجيله سوى أسبوعين يجسد حلما شارف على التحقق لبطل فيلمهم العفوي ، ليتكرر ذات المشهد ولكن بشكل دموي على حدود رفح الشرقية في جمعة "الأطفال الشهداء" ضمن مسيرة العودة الكبرى بعد أن وجه أحد جنود الاحتلال فوهة بندقيته ليصيب رأس الطفل السطري بطلقة متفجرة استقرت برأسه ليرتقي على اثرها شهيدا بذات المشهد الذي رسمه في مخيلته وليطبق سيناريو الأطفال بحذافيره على حدود الوطن.
أحلام الشهادة
لم تكن أحلام الطفل مجدي السطري كأحلام باقي الأطفال في عمره فتخطى الأحلام الوردية المسرودة في روايات الأطفال ليختار الشهادة ورتبة شهيد كحلم وهدف له ، فتضاءلت في عينيه باقي الأحلام التي لا ترقى لمصافي الشهداء.
ويقول رمزي السطري والد الشهيد مجدي :" تأثر مجدي بنشأته في مخيم الشابورة وبالأحداث التي عايشها كباقي أطفال قطاع غزة من حصار مطبق وحروب متتالية لتترك بصمتها جلية في نفس مجدي وتدمغ في قلبه حب الوطن والشهادة ".
ويضيف السطري لـ "الاستقلال" مستجمعا كل ما في الكون من رباطة جأش وحاشدا عزيمة مجبولة بحسن الظن بالله :" أحمد الله أن اصطفى من نسلي مجدي ليكون شهيدا وليحقق حلمه الذي عرضه على مرأى الجميع برفقة أصدقائه في مشهدهم التمثيلي ".
واتم الطفل مجدي دراسته حتى الصف السابع في مدارس وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين ، ليكون في دراسته مثالا للطالب المجتهد والخلوق ، لتتجسد محبته وأثر أخلاقه الطيبة في عيون أصدقاء الدراسة وكل من خالطه من جيران وأقارب تزاحموا في بيت عزاء الشهيد .
يوم الشهادة
وعلى الحدود الشرقية لمحافظة رفح أعلنت الطواقم الطبية ارتقاء طفل مجهول الهوية ؛ نتيجة تعرضه لطلق ناري متفجر في الرأس ، واستمرت علامات الاستفهام تدور حول هوية الشهيد لعدة ساعات قبل أن يعلن رسميا عن اسم الشهيد مجدي السطري من مخيم الشابورة .
ويوضح والده أن مجدي اعتاد المشاركة في مسيرات العودة على الرغم من المحاولات الحثيثة لثنيه في سبيل الحفاظ على سلامته وخوفا من تعرضه لأي أذى في ظل تواجد قوات الاحتلال التي لا تعرف أدنى مبادئ الانسانية ولا تتوانى في استهدف الأطفال والرضع أو الكهل وذوي الاعاقات الحركية.
ويتابع :" كان مجدي يذهب في معظم الجمع وبعض الأيام الأخرى إلى مسيرات العودة برفقة بعض أصدقائه وجيرانه ، وقد رافقته عدة مرات ليبقى أمام ناظري وبعيدا عن عيون قناصة الاحتلال ".
ولكن الأقدار سبقت الأفكار ففي يوم الجمعة الماضي خرج مجدي دون أن يطلع أياً من أهله على وجهته فظن الجميع أنه يلعب مع أطفال الحي في شوارع وساحات المخيم الضيقة، ليتغلب حقد الصهاينة على براءة مجدي ليستهدفوه بشكل مباشر وبهدف القتل برصاصة متفجرة استقرت في رأسه الصغير.
ويقول والد الشهيد :" اعتدت أن يخبرني مجدي قبل مشاركته بمسيرات العودة ولكن يوم شهادته ذهب دون أن يخبر أي أحد من أهل البيت فتيقنا أنه لم يذهب ، وبعد انتشار خبر ارتقاء طفل مجهول الهوية عرض أحد الجيران علي الصورة بعد أن تعذر عليه التعرف على مجدي بفعل تغير ملامحه بفعل الطلقة والدماء المتحبسة في وجهه، وفور أن نظرت إلى الصورة تعرفت عليه وتوجهت فورا إلى المستشفى لوداعه والتعرف عليه ".
ويضيف :" لم أدر كيف وصلت المستشفى وكيف حملتني أقدامي إلى هناك ، وبعد وصولي للمستشفى لحقت بي والدته ولم أكن قد أخبرتها بل عرفت أيضا من خلال الجيران ".
عرس التشييع
وانطلق مركب تشييع الطفل الشهيد مجدي السطري (12 عاما) من أمام منزله في مخيم الشابورة بعد القاء أهله لنظرة الوداع على جثمانه الطاهر، لتأدية صلاة الجنازة في مسجد بدر قبل أن يحتضن ثرى الوطن جثمانه الصغير في المقبرة الشرقية بالمحافظة .
وشارك في جنازة الشهيد جماهير غفيرة من أبناء محافظة رفح وأصدقاء الشهيد على مقاعد الدراسة ورفاق ثورته على حدود الوطن في مسيرات العودة الكبرى ، بالإضافة إلى ممثلي الفصائل والقوى الوطنية في محافظة رفح .
وعبر المشيعون عن سخطهم تجاه عنجهية الاحتلال وتجرئه على استباحة دماء الأطفال المشاركين في مسيرات سلمية ، مجددين العهد على مواصلة الطريق الذي صار عليه الشهداء حتى بلوغ أهدافهم بالنصر والحرية.


التعليقات : 0