طفولة مسروقة.. ألعاب من بقايا الركام وأحلام مؤجلة

طفولة مسروقة.. ألعاب من بقايا الركام وأحلام مؤجلة
تقارير وحوارات

غزة/ أحلام الفالح:

تجلس تالين،(9 سنوات)، وشقيقتها مريم،(6 سنوات)، تحت بقايا سقف متصدع في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، تفردان قطعًا من القماش والكرتون وتحاولان تحويلها إلى ألعاب، لا متجر قريبًا، ولا رفوف ملونة، ولا ألعاب جديدة؛ فقط بقايا منزل دمرته الحرب، وبعض الخيال الذي لم تستطع الحرب انتزاعه بالكامل.

تستظلان بما تبقى من منزلهما من أشعة الشمس الحارقة، وتمنحان نفسيهما دقائق قليلة من اللعب، تضحكان بحذر وتنشغلان بتفاصيل لعبتهما الصغيرة، كأنهما تحاولان استعادة شيء من الحياة الطبيعية التي اختفت تحت الركام.

نزحت عائلة أبو غليون إلى المنطقة الوسطى في سبتمبر/أيلول 2025، قبل أن تعود إلى مدينة غزة لتجد منزلها وقد تحول إلى أنقاض، ومنذ ذلك الحين، أصبحت مساحة اللعب لدى تالين وشقيقتها جزءًا من الركام المحيط بهما.

قبل أن يبدأ اللعب، تجمع تالين صديقاتها وتختار مكانًا آمنًا نسبيًا، ثم توزع قطع القماش والكرتون بينهن، تقول بعفوية: "بحب حياتنا قبل الحرب، كانت ألعابي كتير، وماما دايمًا كانت تجيبلي ألعاب، بس هلا ما في، الصبح بنرتب مكان اللعب، وبنلعب بالكرتون قدام بيتنا المقصوف مع بنات الجيران".

أما مريم، فتتمنى استعادة طفولة لا تخالطها المخاوف، تقول: "نفسي أرجع ألعب بدون خوف زي قبل الحرب، ويكون عندي ألعاب كتير، ما بدي الكرتون والملابس نلعب فيها، بدي ألعاب حقيقية زي اللي بنشوفها على الجوال".

لكن حتى هذه الدقائق القليلة من اللعب لا تبدو مضمونة، فعندما دوّى صوت بعيد يعلن وصول سيارة المياه الحلوى، نهضت تالين مسرعة، وارتدت حذاءها وتركت صديقاتها ولعبتهن، بحثًا عن دور لها بالطابور لتحضر الماء لعائلتها.

لعبة خارج القدرة

في سوق للسلع المستعملة، كان كمال رجب يجلس إلى جانب ابنه عبدالله محاولًا تهدئته، بعدما لمح الطفل سيارة تشبه لعبته التي فقدها خلال الحرب، أراد عبدالله شراءها، لكن سعرها، الذي تجاوز 200 شيكل، كان أكبر من قدرة الأسرة.

يقول رجب لـ"الاستقلال": "أخذته إلى السوق وأنا لا أريد أن آخذه حتى لا يتحسر، لكن زوجتي في المستشفى مع ابني الصغير، واضطررت للخروج لأشتري لهما بعض الطعام، عبدالله شاف السيارة مثل التي كانت عنده قبل الحرب وطلبها، لكن سعرها غير معقول. الواحد محتار: يجيب أكل ولا ملابس ولا ألعاب؟ إحنا خسرنا كل شيء في الحرب".

كان رجب يعيش مع أطفاله الثلاثة في حي الزيتون قبل أن يدمر القصف منزله المؤلف من خمسة طوابق ومحاله التجارية، ومنذ نزوح الأسرة إلى منطقة الجلاء، أصبحت الأولوية لتأمين الطعام والماء والعلاج، فيما تراجعت الألعاب إلى آخر قائمة الاحتياجات.

وتكشف جولة في محال الألعاب عن فجوة كبيرة بين أسعارها وقدرة الأسر على شرائها، فقد ارتفع سعر سيارة ألعاب جديدة من نحو 40 شيكلًا قبل الحرب إلى أكثر من 400 شيكل حاليًا، فيما ارتفع سعر حقيبة المكعبات من 35 إلى نحو 350 شيكلًا، وقفز سعر الدمية البلاستيكية من شيكل واحد إلى نحو 25 شيكلًا.

وفي ظل فقدان مصادر الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة، لم تعد اللعبة بالنسبة إلى كثير من الأسر مجرد سلعة مرتفعة الثمن، بل أصبحت رفاهية مؤجلة إلى أجل غير معلوم.

طفولة لم تبدأ كما ينبغي

عبدالله بارود كان في شهره الثاني عندما اندلعت الحرب في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. لم تكن والدته تعلم حينها أن طفلها، الذي انتظرته 12 عامًا، سيقضي سنواته الأولى متنقلًا بين الخيام، وأن الألعاب التي أعدتها له قبل ولادته ستبقى في منزل لم يعد موجودًا.

تقول والدته: "بعد شهرين من ولادته بدأت الحرب، ونجونا بأعجوبة من قصف استهدف منزلنا، لم تترك الحرب لطفلي أي لعبة، نزحنا إلى جنوب القطاع وعشنا في خيمة لا تحمي من حر الشمس ولا برد الشتاء، وكان يمرض باستمرار".

وتضيف: "كبر عبدالله وبدأ يرى ألعاب السيارات المستعملة في الشارع، لكن أسعارها تفوق قدرتنا على شرائها، يبكي كثيرًا، ويبكي قلبي لبكائه، لم أكن أعرف أنه سيعيش كل هذا الألم والحرمان".

وتقول إن أكثر ما يثقل عليها شعورها بالعجز أمام طلبات طفلها: "عبدالله لم يعش طفولته، أشعر بضغط نفسي كبير عندما يطلب لعبة ولا أستطيع توفيرها، لأنني أرى الحزن والحسرة في عينيه، وأعرف أهمية اللعب في تنمية قدرات الأطفال الذهنية والبدنية، ولاحظت عليه تأخرًا في بعض المهارات التي تنميها الألعاب، مثل تقوية عضلات اليد، لكن ليس باليد حيلة".

ولم يقتصر حرمان أطفال غزة على الألعاب التي لم تعد أسرهم قادرة على شرائها، بل امتد إلى ألعاب يصنعونها بأيديهم من مواد بسيطة، حتى الطائرات الورقية، التي لطالما شكلت مساحة للفرح واللعب في أوقات الأزمات، باتت مصدر خوف بعد التهديدات الإسرائيلية باستهداف مطلقيها.

فقد هدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس بتصعيد الإجراءات ضد مطلقي الطائرات الورقية، بما في ذلك استهداف المسؤولين عنها وإخلاء مناطق يُعتقد أنها تنطلق منها، رغم إقرار الجيش الإسرائيلي، بعدم العثور على مواد مشبوهة فيها وأنها لم تشكل خطرًا على الجمهور.

حين يصبح اللعب حاجة

ولا يتوقف أثر الحرمان من الألعاب عند حدود الترفيه، بحسب الأخصائية النفسية هديل العريان، التي ترى أن اللعب، خصوصًا في أوقات الحرب، يمثل وسيلة أساسية للطفل لتفريغ الخوف والتوتر والتعبير عن مشاعره واستعادة قدر من الإحساس بالأمان.

وتوضح العريان لـ"الاستقلال" أن استمرار الطفل في العيش وسط الخوف وعدم الاستقرار، إلى جانب حرمانه من مساحات اللعب، يمكن أن ينعكس على سلوكه ونومه وتفاعله مع الآخرين وقدرته على التعبير عن مشاعره.

وتشير إلى أن حرمان الطفل من الألعاب قد يولد لديه ما تسميه "الحزن على الذات"، وهو شعور يتجاوز الخوف اللحظي، ويزداد مع إدراك الطفل أن أقرانه يمتلكون أشياء لا يستطيع هو الحصول عليها.

كما ينعكس الحرمان على الآباء والأمهات أنفسهم، بحسب العريان، إذ يعيشون شعورًا بالعجز والذنب لعدم قدرتهم على توفير أبسط احتياجات أطفالهم. وقد يظهر ذلك في صورة توتر داخل الأسرة، أو عصبية، أو محاولة تعويض الطفل بصورة مبالغ فيها، أو ابتعاد الأهل عن التفاعل معه نتيجة الضغوط المتراكمة.

وفي غزة، حيث دمرت الحرب المنازل وأماكن اللعب، وارتفعت أسعار الألعاب، وانشغلت العائلات بتأمين الغذاء والماء والعلاج، لم تعد الطفولة تجد مساحتها بسهولة. فبين كرتونة تتحول إلى دمية، وقطعة قماش تصبح لعبة، وطابور طويل أمام سيارة المياه يقطع لحظة اللعب، يكبر أطفال غزة وهم يتعلمون مبكرًا أن بعض الأشياء التي تبدو بسيطة في طفولة الآخرين، قد تتحول بالنسبة إليهم إلى أحلام بعيدة.

التعليقات : 0

إضافة تعليق