الاستيلاء على «معهد قلنديا».. ورقة انتخابية لـ"نتنياهو" ومخطط لتقويض وجود "أونروا"

الاستيلاء على «معهد قلنديا».. ورقة انتخابية لـ
تقارير وحوارات

 

غزة/ معتز شاهين:
تتواصل الاعتداءات الإسرائيلية الممنهجة ضد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»، لتسجل تصعيدًا خطيرًا استهدف هذه المرة «معهد قلنديا للتدريب المهني» شمال القدس المحتلة، عبر اقتحامه والاستيلاء عليه وإخضاع موظفيه لتحقيقات ميدانية، في خطوة تتجاوز حدود الإجراء الأمني إلى صلب الصراع السياسي والوجودي المرتبط بقضية اللاجئين الفلسطينيين.
ولم يكن توقيت هذا الاستهداف معزولًا عن سياق التحولات السياسية داخل الاحتلال؛ إذ يأتي في وقت تتسابق فيه أطراف الائتلاف الحكومي واليمين المتشدد لتوظيف استهداف المنشآت والمؤسسات الدولية في الدعاية السياسية والانتخابية، ضمن مساعٍ أوسع لتقويض دور «أونروا» وإضعاف حضورها بوصفها شاهدًا أمميًا على النكبة الفلسطينية وقضية اللاجئين وحق العودة.
وفي هذا السياق، يرى محللان سياسيان أن أطراف الائتلاف الحاكم تسعى إلى تسويق هذه الاعتداءات وملاحقة المؤسسات الدولية باعتبارها «إنجازات» موجهة مباشرة إلى قاعدتها اليمينية والاستيطانية.
وأشارا، في حديثين منفصلين لـ«الاستقلال»، إلى أن استهداف مؤسسات الوكالة يُقدَّم للشارع الإسرائيلي بوصفه «إنجازًا سياسيًا» يهدف إلى تعزيز شعبية اليمين وحصد مزيد من أصوات الناخبين، بالتوازي مع المساعي التشريعية والاستيطانية المتواصلة لفرض وقائع جديدة في الضفة الغربية والقدس المحتلة.
وتواصل طواقم بلدية الاحتلال الإسرائيلي، لليوم الثالث، تنفيذ أعمال صيانة وتعديلات على البنية التحتية لمعهد قلنديا للتدريب المهني التابع لـ«أونروا» في كفر عقب شمال القدس، عقب السيطرة العسكرية عليه.
وتهدف هذه الإجراءات، وفق المعطيات المتداولة، إلى إزالة شعارات الوكالة ورفع العلم الإسرائيلي، تمهيدًا لتحويل المعهد إلى مجمع تعليمي ومراكز ترفيهية تُدرَّس فيها المناهج الإسرائيلية.
وأكد مستشار محافظ القدس، معروف الرفاعي، استمرار الوجود العسكري وإجراء تغييرات في البنية التحتية، وسط تحذيرات من أن المخطط يهدف إلى فرض واقع تعليمي جديد، وتهديد الهوية الوطنية الفلسطينية، والسيطرة على الأراضي ضمن مشروع توسيع بلدية الاحتلال تحت ما يُعرف بمشروع «القدس الكبرى».
ويُعد المعهد، المقام على مساحة 80 دونمًا، أحد أقدم مراكز التدريب التابعة للوكالة، وقد أُقيم على أرض قدمتها الحكومة الأردنية للوكالة بموجب اتفاق أُبرم في 16 تشرين الأول/أكتوبر 1952، بهدف توفير التدريب التقني والمهني للاجئين الفلسطينيين.
استحقاق انتخابي
يرى الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح أن الاستيلاء على المعهد يمثل استثمارًا سياسيًا وإعلاميًا مبكرًا توظفه حكومة اليمين الإسرائيلي، ولا سيما التكتلات الأكثر تطرفًا وعنصرية بقيادة إيتمار بن غفير، للترويج لما تعتبره إنجازات أمام جمهور الناخبين، مع الاقتراب التدريجي من الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي.
وأوضح الصباح لـ«الاستقلال» أن الائتلاف الحاكم وأطرافه الأكثر تشددًا يحاولون تسويق هذه الاعتداءات وملاحقة المؤسسات الدولية باعتبارها «بطولات» موجهة مباشرة إلى قاعدتهم الاستيطانية واليمينية، مشيرًا إلى أن الإجراء يأتي بالتوازي مع المساعي التشريعية والاستيطانية المتواصلة لفرض واقع جديد في الضفة الغربية والقدس المحتلة.
ولا يقف استهداف معهد قلنديا عند حدود كونه مؤسسة تعليمية وتدريبية، بل يشكل، بحسب الصباح، عدوانًا مباشرًا وصارخًا على منظومة الأمم المتحدة، كون «أونروا» وكالة دولية أُنشئت بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة وتؤدي مهامها في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وحذّر المحلل السياسي من تداعيات الصمت الدولي، مؤكدًا أن السكوت على تقويض عمل الوكالة، وإغلاق مقراتها سابقًا في القدس، والاستيلاء على منشآتها اليوم، يفتح الباب أمام توسيع نطاق الاستهداف ليشمل مؤسسات وهيئات دولية أخرى داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة وخارجها.
وأضاف: «من يمارس جرائم الإبادة والمجازر في قطاع غزة وسط صمت عالمي، لن يجد صعوبة في التعدي على مقرات منظمة أممية وإخراجها عن الخدمة».
وحول الأبعاد الاستراتيجية، شدد الصباح على أن ملف اللاجئين يمثل موضوعًا مركزيًا في القضية الوطنية الفلسطينية، وأن كل ما يحمي هذه القضية ويبقيها حية يشكل، من وجهة نظره، تحديًا للاحتلال، ويذكّر باستمرار بالحقوق الفلسطينية والقرارات الدولية، وعلى رأسها القرار 194 المتعلق بقضية اللاجئين وحق العودة، إلى جانب القرار 181 الخاص بتقسيم فلسطين.
ونبّه إلى أن معركة الاحتلال ضد «أونروا» في القدس والضفة الغربية ليست مجرد صراع على منشأة أو مبنى، بل هي جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تقويض الوجود الأممي، وإضعاف الركائز السياسية والقانونية المرتبطة بحق العودة، وتهميش قضية اللاجئين في أي تسوية مستقبلية.
إنجاز سياسي
بدوره، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي فايز السويطي أن توقيت سيطرة قوات الاحتلال على معهد قلنديا، بعد إخلائه من موظفيه وإخضاعهم لتحقيقات ميدانية، «ليس بريئًا على الإطلاق»، بل يرتبط، وفق تقديره، بشكل مباشر بالتحضيرات للانتخابات الإسرائيلية المقبلة.
وأوضح السويطي لـ«الاستقلال» أن قادة اليمين المتشدد، وفي مقدمتهم بنيامين نتنياهو وإيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، سيبذلون جهودًا مكثفة لاستغلال هذا الحدث ضمن دعايتهم الانتخابية، مشيرًا إلى أن استهداف مؤسسات الوكالة يُقدَّم للشارع الإسرائيلي باعتباره «إنجازًا سياسيًا» يهدف إلى حصد مزيد من أصوات الناخبين اليمينيين.
ويرى أن ما شهدته منطقة قلنديا لا يمكن فصله عما يجري من تضييق وإغلاق لمؤسسات «أونروا» في القدس المحتلة وقطاع غزة، بل يندرج ضمن سياسة متكاملة تهدف إلى إنهاء دور الوكالة بالكامل.
وأضاف السويطي: «إن الأونروا تمثل أحد الشواهد الأساسية على النكبة الفلسطينية، والهيئة الدولية التي تذكّر العالم بقضية اللاجئين وحق العودة. وما يجري اليوم هو استكمال لمخطط شطب هذا الحق، وربما محاولة لاستبدال الوكالة بكيانات جديدة تتبع لما يسمى مجلس السلام أو تخضع لإدارة سلطات الاحتلال مباشرة».
ولفت المحلل السياسي إلى أن استهداف «أونروا» يتقاطع مع عمليات التجريف والدمار المتواصلة التي تطال المخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية، مؤكدًا أن الاحتلال «يفكر بطرق شتى لطمس معالم القضية الفلسطينية».
وشدد على أن «المخيمات تشكل رمزًا للصمود والمقاومة، وتعتمد بشكل أساسي على الخدمات التي تقدمها الأونروا، ولذلك فإن ضرب الوكالة وتفكيك المخيمات يمثلان وجهين لعملية واحدة تستهدف تصفية القضية الوطنية وإلغاء حق العودة من قاموس المجتمع الدولي».

التعليقات : 0

إضافة تعليق