غزة / معتز شاهين:
تتجاوز عودة الاحتلال الإسرائيلي إلى استخدام سلاح الجو في الضفة الغربية المحتلة واغتيال المقاومين كونها استجابة ميدانية عابرة، لتكشف عن معادلة أمنية وسياسية مركبة تحاول قيادة الاحتلال فرضها في الضفة. ووفق مراقبين، تستند هذه السياسة إلى توظيف الضربات الجوية الاستباقية كأداة للردع، في محاولة لاحتواء تنامي فعل المقاومة، الذي يتصاعد في الأساس كرد فعل على تصاعد هجمات المستوطنين واعتداءاتهم المتواصلة.
وتبرز في هذا السياق الغارة التي شنها الاحتلال، الجمعة، على منطقة حرش السعادة غرب جنين، وأسفرت عن استشهاد ثلاثة فلسطينيين، بينهم المطارد قيس البيطاوي، في أحدث استخدام للطيران الإسرائيلي لاستهداف مقاومين في الضفة.
ويرى مختصون في أحاديث منفصلة مع صحيفة "الاستقلال"، أمس الاحد، أن هذا التصعيد لا ينفصل عن الحسابات السياسية لقيادة الاحتلال مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، إذ يسعى بنيامين نتنياهو وحكومته إلى إظهار القدرة على فرض السيطرة الأمنية وتجنب أي إخفاق جديد في الضفة قد يتحول إلى عبء سياسي وانتخابي.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تصاعد اعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم وأراضيهم، وسط اتهامات لحكومة الاحتلال بتوفير غطاء سياسي وأمني لها، في ظل مواقف متشددة لوزراء اليمين المتطرف، وفي مقدمتهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، الداعمين للتوسع الاستيطاني والرافضين لأي مسار يقود إلى قيام دولة فلسطينية.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذه الاعتداءات قد يغذي المقاومة ويفتح جبهة جديدة في الضفة، في وقت يخوض فيه جيش الاحتلال مواجهات وتوترات على أكثر من جبهة.
سياسة الردع
واعتبر المختص بالشأن الإسرائيلي د. عمر جعارة أن عودة الاحتلال إلى استخدام سلاح الجو في الضفة تعكس محاولة للضغط على الفلسطينيين واحتواء تنامي المقاومة، في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين واتساع دائرة التوتر في مختلف مناطق الضفة.
وأضاف جعارة لـ"الاستقلال" أن الاحتلال يدرك أن اعتداءات المستوطنين لا تمر دون رد، وإنما قد تدفع باتجاه مزيد من المقاومة، ما يجعله أمام محاولة مستمرة للسيطرة على تداعيات هذا التصعيد ومنع تحوله إلى جبهة أوسع.
وأشار إلى أن وسائل إعلام وشخصيات أمنية إسرائيلية باتت تصف اعتداءات المستوطنين بأنها "إرهاب يهودي" يشكل خطرًا على دولة الاحتلال، محذرًا من أن استمرارها قد يفتح جبهة جديدة، في وقت يخوض فيه الجيش الإسرائيلي مواجهات وتوترات على أكثر من جبهة.
وفي المقابل، يرى جعارة أن استخدام الطيران في الضفة لا يعني بالضرورة قدرة الاحتلال على حسم المواجهة، معتبرًا أن سلاح الجو قادر على إيقاع الدمار والخسائر، لكنه لا يحقق نصرًا سياسيًا أو عسكريًا بحد ذاته.
وبيّن أن أي إخفاق أمني جديد في الضفة خلال الفترة التي تسبق الانتخابات يمكن أن يتحول إلى عبء سياسي على نتنياهو وحكومته، ما يدفعها إلى محاولة منع تصاعد المقاومة والحفاظ على صورة السيطرة الأمنية أمام الناخب الإسرائيلي.
وفي الوقت ذاته، يواجه نتنياهو، وفق جعارة، صعوبة في ضبط حلفائه من اليمين المتطرف، وفي مقدمتهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، محذرًا من أن استمرار اعتداءات المستوطنين قد يؤدي إلى إشعال جبهة جديدة لا تريد "إسرائيل" فتحها في ظل استمرار التوتر على جبهات أخرى.
ولفت إلى أن "إسرائيل" تواجه أزمة متعددة الجبهات، ولا يمكنها تجاوزها بالاعتماد على الطائرات أو الصواريخ أو الاغتيالات، محذرًا من أن استمرار التصعيد في الضفة قد يقود إلى مزيد من المقاومة بدلًا من إنهائها.
حسابات انتخابية
من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح إن عودة الاحتلال إلى استخدام الطيران في استهداف المواطنين والمقاومين في الضفة تأتي ضمن سياسة تهدف إلى مواجهة تنامي المقاومة واحتواء أي تصعيد ميداني قبل أن يتوسع ويصبح أكثر صعوبة على الاحتلال السيطرة عليه.
وأوضح الصباح، في حديث لـ"الاستقلال"، أن التصعيد الإسرائيلي يتزامن مع الارتفاع الملحوظ في اعتداءات المستوطنين بمختلف مناطق الضفة، معتبرًا أن هذه الاعتداءات تساهم في خلق بيئة تدفع نحو مزيد من المقاومة، الأمر الذي يدفع الاحتلال إلى محاولة ضربها والحد من تطورها باستخدام القوة العسكرية، بما فيها الغارات الجوية.
وأشار إلى أن اغتيال ثلاثة مقاومين في منطقة حرش جنين، الجمعة، يعكس مستوى التصعيد في الضفة، التي قال إنها تحولت إلى "ساحة حرب حقيقية" في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والاستيطانية.
وربط الصباح التصعيد بالأزمة السياسية التي تعيشها حكومة بنيامين نتنياهو مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، موضحًا أن الحكومة واليمين المتطرف بحاجة إلى إبقاء حالة التوتر قائمة وإظهار قدرتهما على التعامل مع ما يسمونه "التهديدات الأمنية".
وأضاف أن نتنياهو لا يريد تسجيل أي إخفاقات أمنية جديدة في هذه المرحلة الحساسة يمكن أن تتحول إلى ورقة سياسية ضده في الانتخابات، خصوصًا في ظل التحديات التي تواجه حكومته والانقسامات داخل معسكر اليمين.
ويرى الصباح أن الضفة الغربية ستكون خلال الفترة المقبلة إحدى أبرز ساحات الصراع، في ظل محاولة اليمين الإسرائيلي استثمار حالة التوتر لإقناع الناخب بأن الحكومة الحالية هي الأكثر قدرة على مواجهة الفلسطينيين والحفاظ على الأمن.


التعليقات : 0