غزة/ خالد داود:
في غرفة صغيرة داخل منزل أنهكته الحرب في مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، يحاول الرياضي علام شبير أن يستعيد شيئًا من حياته القديمة، في مكان لا يشبه ملعبًا رياضيًا، لا تتوافر فيه تجهيزات صالات التدريب المعتادة. لكن الأثقال والمقعد الرياضي وبعض الأدوات البسيطة تكفي لأن يبدأ الرجل الذي اعتاد الركض خلف الكرة رحلة جديدة، ولكن هذه المرة من دون ساقيه، وعلى كرسي متحرك وبعكازين.
فقد شبير ساقيه بعد إصابته خلال الحرب، في حادثة استهداف إسرائيلية قلبت حياته رأسًا على عقب، وحوّلت لاعب كرة القدم الذي كان يتحرك في أرجاء الملعب إلى رياضي يخوض معركة يومية لاستعادة قدرته على الحركة وممارسة الرياضة.
يقول شبير، مستعيدًا اللحظة التي غيّرت حياته: "كنت أسير في شارع عمر المختار بالقرب من مفترق السامر، وكانت الطائرات الإسرائيلية تحلّق بكثافة، وفجأة سقط صاروخ خلفي، وفقدت الوعي على أثره". وبعد نقله إلى المستشفى، علم أن ساقيه بُترتا، إلى جانب إصابته بشظايا في يده وظهره.
كانت الصدمة أكبر من فقدان القدرة على المشي، فالرجل الذي أمضى سنوات يركض خلف الكرة في ملاعب غزة ويسجل الأهداف، وجد نفسه فجأة أمام أسئلة لم يكن يتخيل يومًا أنه سيطرحها على نفسه.
"توقفت أحلامي وطموحاتي فجأة"، يقول شبير، واصفًا الانتقال القاسي من حياة اللاعب الذي يشارك في المباريات إلى حياة يحتاج فيها إلى مساعدة الآخرين في تفاصيل يومية كان يؤديها بسهولة.
من الملعب إلى كرسي متحرك
لم يكن شبير لاعبًا عابرًا في ملاعب غزة، فقد بدأ مسيرته في نادي المشتل الرياضي، ثم لعب لنادي الصداقة وخدمات الشاطئ والجلاء، كما سبق أن مثّل منتخب فلسطين للناشئين، وفق قوله، لافتًا إلى أن كرة القدم كانت بالنسبة إليه أكثر من لعبة؛ بل كانت جزءًا من حياته وهويته وعلاقاته الاجتماعية.
ويردف شبير خلال حديثه لـ"الاستقلال" أن الحرب لم تنتزع منه ساقيه فقط، بل فقد أيضًا شقيقيه حامد وحمدي، وكلاهما كان مرتبطًا بكرة القدم، كما أُصيبت شقيقته خلال قصف الاحتلال لمكان نزوح العائلة في خان يونس جنوب قطاع غزة. وبذلك أصبحت كرة القدم بالنسبة إليه تحمل ذاكرة مزدوجة؛ ذاكرة السنوات التي قضاها في الملاعب، وذاكرة أفراد من عائلته رحلوا في الحرب.
ويقول: "كان مكاني المفضل، والذي أقضي فيه معظم وقتي، هو الملعب وأرضيته التي كنت أركض عليها وأمارس كرة القدم، أما اليوم بفعل الحرب وإجرام الاحتلال، أصبحت على كرسي متحرك، من دون أقدام أركض عليها وأضرب بها الكرة".
ويضيف: "أشعر بألم كبير لفقداني هوايتي التي أحبها. في كل لحظة أتخيل نفسي أركض وألعب، ولكن أنظر إلى قدميّ أشعر بالإحباط. ومع ذلك، لا أريد أن تكون هذه اللحظة هي نهاية علاقتي بالرياضة".
وخلال رحلة العلاج، خاض الرياضي شبير صراعًا مع الألم والواقع الجديد، لكنه اختار تحويل إصابته إلى دافع للاستمرار، قائلًا: "لم أقبل أن أكون أسيرًا للإعاقة، وبدأت أبحث عن طريقة أستعيد بها نشاطي الرياضي رغم الإصابة والظروف الصعبة التي قد تواجهني".
صالة بين الركام
داخل منزله المتضرر، جمع شبير ما استطاع من معدات رياضية بمساعدة أصدقائه، بين الاستعارة والشراء، وحوّل إحدى الغرف في بيت متضرر جراء القصف الإسرائيلي إلى مساحة صغيرة للتدريب، يمارس فيها بعض تمارين القوة ورفع الأثقال والإطالة والملاكمة، ويجرب تدريبات أخرى، محاولًا الحفاظ على لياقته وبناء قدرته البدنية من جديد.
فبعد أن أصبح الوصول إلى المنشآت الرياضية محدودًا، إلى جانب تضرر معظمها جراء الحرب، يقول شبير: "قررت أن أبدأ بما لدي، وأن أجعل من غرفة صغيرة مدمرة نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة"، لافتًا إلى أن فكرة العودة إلى التدريب وممارسة الرياضة بدأت لديه منذ فترة وجوده في المستشفى، حين قرر أن يحاول تحويل الألم الذي يعيشه إلى دافع للاستمرار.
ويوضح شبير أنه، على الرغم من الإمكانات المحدودة التي تمكن من توفيرها، وأن المكان غير مجهز وفق المعايير والتجهيزات التي تحتاج إليها الصالات الرياضية، فإنه يرى فيها مساحة رياضية يفرغ فيها طاقته السلبية، ويستعيد من خلالها بعضًا من نشاطه الرياضي ولياقته البدنية، ومساحة يقاوم فيها الاستسلام لإصابته بعدما فقد قدميه.
ويلفت إلى أن الغرفة لم تعد مساحة تدريب شخصية فقط، إذ تحولت مع الوقت إلى مكان يجتمع فيه عدد من الرياضيين، يتدربون معًا ويشجعون بعضهم بعضًا على مواصلة نشاطهم الرياضي، في ظل غياب الصالات الرياضية وتدمير معظمها جراء الغارات الإسرائيلية خلال الحرب.
عودة من باب آخر
وبين الإحباط والأمل، يحاول شبير أن يجد طريقًا ثالثًا: أن يتعامل مع واقعه الجديد من دون أن يتخلى عن هويته الرياضية. ولا يتحدث شبير عن العودة إلى الملعب بالطريقة التي كان يعرفها قبل الحرب فقط، فقد أصبح يدرك أن جسده تغير، وأن الطريق إلى الرياضة سيكون مختلفًا.
ويقول: "أحلم بإنشاء صالة رياضية متكاملة تكون مفتوحة أمام الرياضيين، وخاصة ذوي الإعاقة، حتى نصنع أبطالًا يمثلون فلسطين في البطولات والمحافل الدولية".
ويؤكد أنه سيواصل تدريباته ويسعى للمشاركة في بطولات رياضيي ذوي الإعاقة، مضيفًا: "لن أتوقف عن ممارسة الرياضة بسبب الإصابة، وسأعمل على رفع اسم فلسطين وعلمها في المحافل الدولية".
ويوجه شبير رسالة إلى العالم، قائلًا: "شباب غزة يحبون الحياة ولديهم طاقات كبيرة رغم الحرب والدمار. نحن لا نطلب المستحيل، بل نريد حقنا في ممارسة الرياضة، وتوفير الأطراف الصناعية والمعدات اللازمة، وإعادة تأهيل البنية التحتية الرياضية".
ويأمل شبير في استكمال علاجه، والحصول على أطراف صناعية، واستعادة أكبر قدر ممكن من استقلاله، كما يتطلع إلى مواصلة نشاطه الرياضي، مشيرًا إلى رغبته في البقاء قريبًا من الملاعب، حتى لو كانت عودته من بوابة العمل الإداري والمساهمة في الأنشطة الرياضية.
وبينما يواصل الرياضي علام شبير تدريباته في غرفته الصغيرة، تبدو العودة إلى الملاعب بالنسبة إليه أكبر من مجرد هدف رياضي، بل إنها محاولة لاستعادة مكانه في الحياة، بعد أن فرضت الحرب عليه أن يبدأ من الصفر.
ويبقى ما يعيشه اللاعب علام شبير غير منفصل عن واقع رياضي أوسع في قطاع غزة، حيث تعرضت المنشآت والأنشطة الرياضية لخسائر كبيرة خلال الحرب، بينما يواجه الأشخاص الذين فقدوا أطرافهم تحديات إضافية تتعلق بالتأهيل والحركة والحصول على الأطراف الصناعية والمعدات المناسبة، التي تمكنهم من العودة، ولو جزئيًا، إلى حياتهم السابقة.
من ملاعب غزة إلى كرسي متحرك.. "علام شبير" يطارد حلم العودة
تقارير وحوارات


التعليقات : 0