لمياء وغازي.. عِشْرة العمر تقتلها رصاصة!

لمياء وغازي.. عِشْرة العمر تقتلها رصاصة!
فلسطينيات

في وداع الشهيد غازي أبو مصطفى

غزة/ دعاء الحطاب

« بردائها الأبيض، وإنسانية قلبها»، تتجول المسعفة لمياء أبو مصطفي بين صفوف المتظاهرين داخل «ميدان العودة» شرق خانيونس جنوب قطاع غزة، لتضمد جرح المصابين وتنعش قلوب الغارقين بدمائهم بعدما باغتتهم رصاصات الحقد الصهيونية، فتلقت خبراً بضرورة التوجه للمستشفى الميداني لنقل أحد المصابين لمجمع ناصر الطبي، فتحركت بسرعة نحو المكان بعدما أخبرت زوجها بأنها ستغادر وتعود مسرعةً.

 

 وأثناء عودتها للميدان، مر من أمام عينيها شاب تخفي الدماء ملامحه إثر تعرضه لإصابة مباشرة بالرأس، فأسرعت نحوه لتنقذ حياته، لكن جموع الممرضين منعوها من الاقتراب منه، حينها شعرت بغصة اجتاحت قلبها لم تدرك سببها.

 

" الله يصبر أهله" قالتها وعيناها تراقب محاولات الأطباء والممرضين لإنقاذ حياته، فحين بدأ زملاؤها بالالتفاف حولها مُطلقين نظرات مليئة بالحزن، الأمر الذي جعل قلبها يخفق بقوه محاولة تفسير ما يجري، وفجأة ابتعد الأطباء عنه لتدرك استشهاده وتتلقى صاعقة الممدد أمامها زوجها غازي أبو مصطفى.

 

وارتقى أبو مصطفى (43عاما) شهيداً، الجمعة الماضية، متأثراً بجراحة إثر إصابته برصاص الاحتلال الإسرائيلي في رأسه، شرق مدينة خان يونس، في جمعة " شهداؤنا الأطفال" من مسيرة العودة وكسر الحصار.

 

60 دقيقة.. قبل الصدمة

 

بسرعة كالبرق انتفضت لمياء المغلوب على أمرها لرؤيته، ووقفت أمام جثمانه محاولة تكذيب عينيها، تحاول انعاش قلبه تارة، وأخرى تحتضنه بحرقة، تركها من حولها للحظات، لكنها لم تستطع تركه وحيداً فنزعوه من بين يديها واصطحبوها معهم فعلا صوتها مرددة " غازي ما استشهد، غازي لسه عايش".

 

وتقول لمياء، وهي تخبئ في جعبة الحسرة دمعها:" دايما أنقل شهداء وجرحى، لكن صدمتي باستشهاد غازي كبيرة جداً، ما استوعبتها ولا تحملتها، كذبت استشهاده رغم أنه أمام عيني، وعندما حضنتني والدتي وقالت لي خلص راح غازي"، مضيفةً:" استشهاد شخص لا تعرفه أمام عينيك ليس كما زوجك، لحظات صعبة وقاسية جداً، لا يعرف احساسها إلا من اكتوى بنارها".

 

وأردفت بغصة تعترض صوتها:" توجهت مع غازي إلى مسيرة العودة مبكراً، جلسنا نتحدث لأكثر من ثلاث ساعات حتى بدأت الجماهير تتوافد للمكان، ذهب هو للمشاركة في المسيرة وأنا ذهبت لأكمل عملي كمسعفة بالميدان".

 

وتتابع:" كنت أشعر بالقلق الشديد عليه في كل لحظة تمر، ورغم انشغالي في العمل إلا أن عيني لم تتوقف عن البحث عنه بين المتظاهرين حتى أطمئن أنه بخير، وقبل نصف ساعة من استشهاده أحضرته عن السلك وأدخلته بإحدى الخيام المنصوبة".

 

وأضافت بألم شديد:" بعد ثوانٍ قليلة، أخبروني أن هناك إصابة في الفخذ وعليّ نقلها إلى مجمع ناصر الطبي في خانيونس، صعدت إلى الإسعاف وفي طريق العودة شاهدت الأطباء في حالة حزن داخل المستشفى الميداني وآخرون يحاولون انقاذ أحد المصابين ومنعوني من الاقتراب، لأتفاجأ فيما بعد أنه زوجي غازي". 

 

واستكملت حديثها والدموع تملأ عينيها:" تركته فقط نصف ساعه كي أنقل أحد المصابين، ارجعت لاقيته شهيد، رحل دون أن أقدم له الإسعافات كما كل مرة، لم أستطع إنقاذه".

 

يمتلك عكازين

 

لم يكن غازي يُشكل خطراً على جنود الاحتلال المدججين بأسلحتهم العسكرية و المختبئين خلف السواتر الرملية، فجل ما كان يملكه " عكازين خشبيتين" يستند عليهما حين كان يقف ليشاهد ردة فعل الجنود العنيفة اتجاه المتظاهرين السلميين.

 

وتقول:" غازي يشارك في مسيرة العودة منذ انطلاقها، أصيب برصاصة إسرائيلية في قدمه اليمني أفقدته القدرة على السير، ورغم ذلك كان إصراره وايمانه بالعودة إلى ديارنا يدفعه للمشاركة، ودائماً يقول لي أتمني أن أموت شهيدا ".

 

ولم تكن إصابة أبو مصطفى في ساقه بمسيرة "العودة" الأولى، فقد أصيب برصاصة إسرائيلية في عينه اليُسرى خلال أحداث الانتفاضة الفلسطينية نهاية ثمانينيات القرن الماضي، أفقدته النظر، واستبدلها بصناعية، كما أصيب مرة ثانية في انتفاضة الأقصى عام 2000.

 

وفي نهاية حديثها تتساءل بغضب:" كيف لمصاب في ساقه لا يمتلك سلاحاً ولا يستطيع المشي أن يهدد أمن الجنود الإسرائيليين؟، ماذا قتلوا فينا؟ قتلوا أباً لستة أطفال بلا رحمة !".

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق