الاستقلال/ مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية
محادثات التهدئة ورفع الحصار تجري في وقت حساس، حيث هشاشة وقف إطلاق النار وارتفاع احتمالات التصعيد في كل لحظة، وقد بات واضحًا أن إطلاق النار والتصعيد يمثل تهديدًا دائمًا وقائمًا في أي لحظة، ويشكل أحد أهم أسباب الاهتمام الكبير للأطراف التي ترعى المحادثات ولطرفي الصراع، سواء من الجانب الاحتلالي الذي سيعقد مجلسه الأمني المصغر، الخميس القادم، لاستكمال بحثة ونقاشه لموقفه وخططه ممّا يحدث على جبهة قطاع غزة أو جانب فصائل المقاومة في القطاع، التي تستعد للتصعيد، وفي ذات الوقت تعكف على دراسة مقترحات التهدئة بحذر ودون استخفاف أو على مستوى الراعي الدولي والمصري، اللذين يقومان باتصالات وزيارات مكوكية بهدف احتواء الأمر وتبريد الأجواء.
حادثة الأمس التي قامت فيها دبابة احتلالية بإطلاق قذيفة استهدفت موقعًا للقسام وأدت لاغتيال اثنين من جنود القسام، أثناء قيامهما بنشاط تدريبي، اضطرت العدو للاعتراف بخطأ تقديره، ولا يعرف بعد الأسباب الحقيقية لاستهداف الموقع، هل هو سوء فهم أو بدوافع أو أسباب أخرى؟ كل ذلك يؤكد مستوى خطورة الانزلاق نحو التصعيد في كل لحظة.
وعن تعقيدات التفاوض في ظل احتمالات التهديد العالية، كتب المراسل العسكري لصحيفة "هآرتس" عاموس هرئيل: حادثة إطلاق النار أمس على حدود قطاع غزة هي دليل على سوء تفاهم محلي، يمكنه أن يتطور إلى حادثة تلقي بظلها على جهود التوصل لوقف إطلاق النار. إطلاق رجال حماس للنار قرب الجدار أدى لردٍ فوري لإسرائيل، وإلى قتل نشيطيْن من الذراع العسكرية لحماس.
حسب رواية حماس التي نشرت بعد الظهر، فالأمر يتعلق بسوء تفاهم. في موقع لقوات الكوماندو البحري لحماس شمال القطاع، جرى استعراض أمام شخصيات كبيرة في المنظمة؛ جنود الجيش الإسرائيلي اعتقدوا بالخطأ أن إطلاق النار موجه ضدهم وردوا بنار المدفعية. في الجيش الإسرائيلي قالوا في البداية بأن الرد على إطلاق النار كان مطلوبًا في مثل هذه الظروف.
ولكن في هذه الليلة، وبعد تحقيق أولي، عدّل الجيش لوائحه، فمن التحقيق تبين أن إطلاق النار شخص على بعد حوالي 2 كم من الحدود. بعد ذلك، اعترفوا في الجيش بأنه كان هناك تشخيص إشكالي، وفسروا ذلك بالمستوى العالي للتوتر في هذه الأسابيع على طول الحدود، وبأحداث سابقة من إطلاق نار القناصة. أثناء إطلاق النار كانت تعمل قوة هندسية للجيش الإسرائيلي على طول الجدار، والقادة الميدانيون خافوا من أن يتعرضوا للخطر.
حادثة إطلاق النار أمس هي الثالثة من نوعها خلال أسبوعين ونصف، في الحادثتيْن السابقتيْن قتل جندي من "جفعاتي" الرقيب أول أفيف ليفي، وأصيب بجراح متوسطة ضابط من اللواء، الحادثتان السابقتان حدثتا على بعد حوالي 400 مترًا، إحداهما عن الأخرى، وبفارق زمني أقل من أسبوع، في الحالتيْن كان ذلك إطلاقاً لنار القناصة أصابت القوات الموجودة على طول الجدار في جنوب قطاع غزة.
قتل نشيطيْن من الذراع العسكري أدى كما هو متوقع إلى تهديدات بالانتقام من قبل حماس والجهاد الإسلامي. الجيش الإسرائيلي أعاد في الأيام الأخيرة نشر بطاريات القبة الحديدية في عدة مناطق بالنقب، وهذا يدل على أنه مستعد للتصعيد. مع ذلك، المنظمات الفلسطينية ردت بصورة مختلفة على قتل أعضائها في السابق، بشكل عام أطلقت الصواريخ رداً على مقتل نشطاء الذراع العسكرية، في حين أنه لم يكن رد كهذا على قتل متظاهرين خلال المظاهرات الأسبوعية على طول الجدار.
تسوية صغيرة
التقارير الفلسطينية في الأسبوع الماضي عن احتمالات بلورة صفقة قريبة مع إسرائيل استبدلت الآن بنغمات متشائمة وحذرة أكثر، وهذا يتوافق مع الرياح التي هبت من نقاش الكابينت، فالوزراء سمعوا أنه ما زال هناك الكثير من العقبات في الطريق إلى تسوية شاملة في القطاع، أهمها هو رفض رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أن يوقع على اتفاق مصالحة مع حماس، وأن يتجند لعملية إعادة إعمار القطاع. إضافة الى ذلك، مشكلة الأسرى والمفقودين الإسرائيليين. يبدو أن إسرائيل مستعدة لتعويق التقدم بدرجة ما في إعادة جثث الجنود والمدنيين الإسرائيليين، ولكنها تحتاج إلى بادرة حسن نية من حماس، مثل تقرير كامل عن وضع الأربعة، قبل المصادقة على الصفقة.
حماس أعلنت أن قيادتها اتخذت في جلستها بغزة عدة قرارات، وأن وفدًا من قبلها سيسافر إلى القاهرة لمواصلة النقاش مع المصريين حول المصالحة، كسر الحصار والتوصل إلى تهدئة مع إسرائيل. في هذه الأثناء، يبدو أن الاقتراح الموجود على جدول الأعمال في المرحلة الأولى هو "تسوية صغيرة": وقف إطلاق النار الذي تطلب إسرائيل أن يشمل أيضًا وقف إطلاق الطائرات الورقية الحارقة والبالونات ووقف الاحتكاك العنيف على الجدار، مقابل إعادة الحركة الكاملة للبضائع في معبر كرم أبو سالم، ورفع جزء من القيود على الصيد أمام شواطيء غزة.
هذا حل أسهل على التحقق، حيث يخدم مصلحة كل الأطراف في التهدئة ومنع حدوث حرب، ولكن المشكلة هي أنه لا يقترب حتى إلى حل المشكلات الأساسية في القطاع؛ لذلك فإن قيادة الجيش الإسرائيلي تؤيد اتخاذ خطوات أوسع: إعطاء موافقة إسرائيلية على تقديم المساعدة الفورية في المجالات الأكثر اشتعالا (المياه والغذاء والكهرباء والوقود والمعدات الطبية وإعادة تأهيل البنى التحتية للمجاري في القطاع)، هنا يوجد فجوات أمام المستوى السياسي الذي يخشى التقدم بدون أن يكون بيديه على الأقل وعد مقنع للوصول إلى إنجازات ما في مسألة الأسرى والمفقودين الإسرائيليين، وبالطبع يخشى من أن يتم اعتباره ضعيفًا أمام حماس.
الأمور ستتضح ربما بعد جولة أخرى من المحادثات بين حماس والسلطة برعاية مصرية في القاهرة. في هذه الأثناء، يتوقع استمرار الوضع الراهن: بالونات حارقة، اشتعالات محددة على طول الجدار، والكثير من التهديدات في الوقت الذي تتواصل فيه المحادثات.


التعليقات : 0