لن يحضر حفل تخرجه من الجامعة

الشهيد «القططي».. حكاية مسعف أنهتها «إسرائيل» برصاصة

الشهيد «القططي».. حكاية مسعف أنهتها «إسرائيل» برصاصة
فلسطينيات

غزة/ دعاء الحطاب

بينما كانت الشمس تلملم شتات أشعتها، ورصاصات جنود الاحتلال الإسرائيلي تنصب نحو  المتظاهرين العزل على الحدود الشرقية لمدينة رفح، كان ملاك الرحمة « عبد الله القططي» يقف على بعد أمتار قليلة من السياج الفاصل يبدل قفازاته البيضاء المصبوغة بالدماء، وعيونه تراقب الأحداث بيقظة، حتى إذا ما سقط أحد المشاركين مصاباً أو شهيداً يُهرول إليه لانتشاله.

 

وبعد ثوانٍ قليلة، انتبه " عبد الله" لسقوط أحد الشباب قرب السياج، فانطلق صوبه بسرعة البرق، وبدأ بتفحص نبضات قلبه وتقديم الإسعافات الأولية اللازمة لإنقاذ حياته، وفي ذات اللحظة كانت أصابع جنديٌ اسرائيلي حاقد تضيق بهدوء على زناد القناص، وهو يُعدل هدفه نحو صاحب الرداء الأبيض الذي رآه بمنظاره يُعالج ضحيته، فعجله برصاصة غادرة اخترقت جسده النحيف وصعدت بروحه إلى السماء.

 

خيم الصمت على المنطقة قليلاً من شدة الصدمة، ثم هب الشبان المتظاهرون والفرق الطبية نحو" عبد الله" الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة لإنقاذه والجريح الذي افتداه بروحه، لكن دعوات القدر كانت أقوى من محاولاتهم، فبمجرد رفعه على "الشيالة" صعدت روحة إلى السماء، فلم يتمالك زملاؤه الذين لم يتوقعوا أن يفارقهم دون عودة، أنفسهم من الصدمة وهول المشهد، ففقد بعضهم الوعي ،وآخرون استمروا في  إنعاش قلبه مرددين " عبد الله ما مات".  

 

وارتقى المسعف عبد الله القططي (22عاما) شهيداً، جراء إصابته برصاص الاحتلال الإسرائيلي في ظهره، شرق محافظة رفح جنوب قطاع غزة، خلال أداء عمله الإنساني في جمعة" الحرية والحياة لغزة".

 

صدمة الاستشهاد

 

كانت الشمس قد شارفت على المغيب عندما تلقت العائلة اتصالاً هاتفياً من أحد المٌسعفين الذين كانوا برفقة الشهيد، يُعلمهم بخبر استشهاد " عبد الله" ليكون بمثابة صدمة أصابت قلب والدته،  فلم يكُن سهلاً عليها تقبل الخبر، الذي لم يتجاوز سويعات على اللقاء الأخير مع ابنها المحبوب على مائدة غذاء الجمعة، والذي أطعمها بيديه.

 

صرخت الوالدة بأعلى صوتها "ما تقولوش عبد الله مات"، وبدأت بارتداء ثيابها على درج المنزل، في حين يحاول من حولها تهدئتها، إلى أن فقدت الوعي ونقلت لتلقي العلاج في ذات المستشفى التي يرقد بها نجلها داخل " ثلاجات الموتى، وبمجرد استيقاظها أسرعت صوب غرفة الموتى، وألقت جسدها فوق الشهيد تحتضنه تارة وأخرى ترجوه ألا يفارقها " ارجعلي يما، ما بقدر على فراقك".

 

بصوتٍ مرتجف ودموع حبيسة، تقول والدة الشهيد:" الفراق صعب جداً، كنت دايماً أحزن على أمهات الشهداء، لكن اليوم شعرت بألمهم الحقيقي، استشهاد عبد الله كان صدمة النا، مش قادرة أصدق أنه مات، بروح بدور عليه بغرفته وبرن على جواله لكن ما بجاوبني".

 

وتتابع بحرقة:" عبد الله كل جمعة بطلع على الحدود عشان ينقذ المصابين، كنت أحكيله يما ما تروح من خوفي عليه، كان يهديني ويقول يما ما تخافي احنا بأمان ما بصير النا اشي أنا بس بنقل المصابين والشهداء"، مستدركةً:" لكن الجمعة هادي قالي والله يما هادي آخر جمعة حشارك فيها ما تخافي، ما توقعت تكون فعلا آخر جمعة اله، فكرت بحكي هيك عشان يهديني".

 

وأضافت الأم المكلومة، والدموع تحرق وجنتيها:" عبد الله كان يؤدي واجبه الإنساني، ما أذى حد وما كان يحمل سلاح في ايده، كان حامل الشاش الأبيض وبعض الأدوات الطبية البسيطة لينقذ الجرحى"، متسائلة:" شو الذنب اللي عمله ابني عشان يقتله الاحتلال بهذه الطريقة؟، ما شافه وهو لابس الزي الأبيض اللي بدل على إنه مسعف؟".

 

وأنهت حديثها قائلة:" عبد الله كان قمري المضيء، ضحكته البيت، روحه مرحة وحنون، أغلى عليا من كل أولادي، لكن الاحتلال حرمنا منه".

 

خلصت الحكاية

 

" مثل كل جمعة رايح على الحدود، بس هالجمعة غير أنا رايح مثل أي شب ثائر بدافع عن وطنه وأرضه مش هاممنا شو مبتغى المسيرة وشو هدف كل تنظيم من هادي المسيرات، اللي بهمنا أرضنا وعرضنا.. من الآخر شاردين من موت لموت، لعل الموت الثاني أرحم من الأول، خلصت الحكاية..." تلك الكلمات كانت آخر ما نشره الشهيد القططى على صفحته الشخصية ( فيسبوك)، لعله يستطيع من خلالها تلخيص حكاية شعبه الذي اغتاله الموت في سبيل عشق بلاده.  

 

وبقلب يكتوي بالحسرة، يقول والد الشهيد :" في الفترة الأخيرة كنت أتوقع بكل لحظه أن يأتي خبر استشهاد عبد الله، لأنه كان يتمنى الشهادة بشدة ودائماً يتحدث عنها ومع كل شهيد ينقله يقول " نياله استشهد ياريت أنا مكانه"، لكن ما توقعت أن يأتي خبر استشهاده بهذه السرعة وأن يصبح التمني حقيقة".

 

وأردف بألم يعتصر قلبه: "عبد الله كانت أمنيته الوحيدة يتخرج من الجامعة ويكون مسعفاً، وعندما بدأت مسيرات العودة أصبح يعمل متطوعاً ضمن فريق نبض الحياة، كان يشعر بسعادة كبيرة لأنه يُساهم في إنقاذ أبناء شعبه وأنه يُقاوم بمهنته".

 

بعد ابتسامة حزينة، استذكر الوالد آخر حوار دار بينه وبين الشهيد:" عبد الله تخرج من الجامعة قبل أيام كان سعيداً جداً، قالي شو بدك تجبلي هدية، جاوبته هديتك أحلى عروس بدي أجوزك مع أخوك وأفرح فيكم سوا، حينها رفض بشدة وقال ما بدي أتجوز أي بنت بالدنيا"، مضيفاً:" الحمد لله ابني تزوج من حور العين، ونال أفضل شهادة".

 

وطالب المجتمع الدولي ومؤسسات حقوق الانسان بإجراء محكمة دولية لمحاسبة الاحتلال الإسرائيلي الذي لم يترك جريمة إلا وارتكبها بأبناء الشعب الفلسطيني.

 

نظرة الوداع

 

لحظات قاسية ومشاهد تدمي القلوب ألماً، فبمجرد دخول جثمان الشهيد عبد الله منزل العائلة بحي تل السلطان غرب رفح، لإلقاء نظرة الوداع عليه، أسرع الأهل والأحبة لرؤية ذلك الوجه المضيء، وطبع قبلة أخيرة على جبينه، بينما كان زملاؤه المسعفون فيذرفون الدموع لرحيله.

 

أما والدته المكلومة جلست بجوار نجلها الملفوف بعلم بلاده وردائه المُلطخ بالدماء، وهمست في أذنه " طلبتها ونلتها يما، الله يقدرني على فراقك ويجمعني فيك بالجنة يا حبيبي"، ثم ضمته بقوة لصدرها لعله يساند صبرها ويقوي عزيمتها، ليبقي الصمت والبكاء بالقلب أشد وجعاً على رحيل قمرها المُضيء، ومن ثم انطلق الموكب باتجاه مقبرة الشهداء ليروي جثمانه  الطاهر الثرى، وسط هتافات المسعفين " بالروح بالدم نفديك يا عبد الله".

التعليقات : 0

إضافة تعليق