التحليل السياسي: عامر خليل
تصريحات رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو عن ابقاء السيطرة العسكرية الاسرائيلية على الضفة المحتلة في ظل او دون تسوية يقطع الطريق على اية مراهنات فلسطينية او عربية في الولوج الى مفاوضات جديدة مع دولة الاحتلال ويكشف حقيقة الاطماع الاسرائيلية باستمرار احتلالها كل الاراضي الفلسطينية والتخلص من مسئوليتها عن حياة ملايين الفلسطينيين وابقاء هذا العبء على سلطة حكم ذاتي تحت السيطرة الامنية العسكرية للاحتلال أي ارض دون سكان، وتجعل هذه المواقف الرهان الفلسطيني على العودة الى المفاوضات ضربا من الخيال والوهم الكبير فيما على الارض تستمر حكومة نتنياهو بإقرار بناء الاف الوحدات الاستيطانية على مساحات واسعة من الارض جرى مصادرتها في مراحل سابقة.
لم يكتف نتنياهو بذلك بل عاد الى لعبة الشروط المسبقة لفرض الرؤية الاسرائيلية التصفوية للقضية الفلسطينية من خلال اعادة طرح مسألة الاعتراف الفلسطيني بيهودية الدولة والذي يعني اسقاط عودة 70% من مجموع الشعب الفلسطيني الذي شرد قبل 69 عاما الى بيوتهم وممتلكاتهم وفتح الباب مواربا لتشريد 1.5مليون من فلسطيني الـ 48 وسلخهم عن بلدانهم وقراهم التي صمدوا وثبتوا فيها منذ عام 1948 وقد تحدث نتنياهو في عام 2002 في مؤتمر هرتسيليا الذي يعقد سنويا ويتناول الامن القومي الاسرائيلي بان القنبلة الديمغرافية تتمثل في فلسطينيي 48 فيما ينادي ويطرح وزير حربه الان افيغدور ليبرمان التخلص منهم بنقل اكبر كتلة سكانية لفلسطيني 48 المتمثلة في منطقة المثلث التي تضم نصف عددهم في حدود 48 الى الكيان الفلسطيني المنزوع السيادة الخاضع للسيطرة العسكرية الاسرائيلية كما يطرح نتنياهو وبذلك يتضح حقيقة الخطر الاستراتيجي الذي تمثله العودة الى المفاوضات.
ما كشفته صحيفة هآرتس الاسبوع الماضي عن الترتيبات الامنية المستقبلية في الضفة المحتلة التي تضمن الامن الاسرائيلي في أي تسوية مع الفلسطينيين تسير في نفس الاتجاه الذي يتحدث فيه نتنياهو وصياغتها بالشكل الذي وردت فيه يشير الى ان الولايات المتحدة تتوافق مع الرؤية الاسرائيلية فقد تم صياغتها بشكل منفرد بين ضباط امريكيين واسرائيليين دون حضور فلسطيني في عهد الادارة الأمريكية السابقة وجاء كإجابة على 26 سؤالا خرجت بوثيقة تحدد المصالح الامنية لـ"إسرائيل" في الضفة المحتلة والتي يتضح منها ان الكيان الفلسطيني سيكون منزوع السلاح والسيادة وفيها رفض اسرائيلي لإقامة مطار مدني فلسطيني او استخدام مروحيات للشرطة الفلسطينية تقوم بالحفاظ على الامن الداخلي الفلسطيني ويعنى ذلك ان الضفة المحتلة ستبقى خاضعة للسيطرة الاسرائيلية امنيا وسياسيا.
تكمن خطورة المعطيات السابقة في ان الولايات المتحدة بتفاهمها مع دولة الاحتلال حول الترتيبات الامنية فإنها تتبناها وبالتالي ستعرضها كموقف مشترك امام السلطة الفلسطينية وقد كان هذا الامر مطروحا في عهد ادارة اوباما السابقة
وتم نقاشها الا ان التعنت الاسرائيلي بالتواجد الامني والعسكري الاسرائيلي لمدة 40 عاما وفق نتنياهو و80 عاما وفق يعلون اوقف جولة المفاوضات التي اشرف عليها وزير الخارجية الامريكي السابق جون كيري وعودة ادارة ترامب الحالية لهذه التفاهمات يعني انها تسير في نفس الاتجاه وستكون متماثلة مع الموقف الاسرائيلي.
إذا كانت المفاوضات ستنطلق من هذه القاعدة مع اعادة احياء ادارة ترامب لهذه التفاهمات فإن مصيرها سيكون الفشل الا اذا قبلت السلطة التعامل معها وهوما يحمل خطورة كبيرة بأن تتساهل في هذا الموضوع وتقبل بتنازلات تجعل أي كيان فلسطيني هشاً وخاضعاً بالتمام للقوة العسكرية الاسرائيلية فالتفاهمات المذكورة تحمل في مضمونها ابقاء الاحتلال الاسرائيلي على اجواء ومساحات واسعة من الضفة المحتلة على مدى عقود طويلة أي لن يقوم كيان فلسطيني حتى لو كان منقوص السيادة على حدود 1967 وهي مسألة يكررها الزعماء الاسرائيليون باستمرار ويتجهون عمليا نحو ضم زاحف للارض الفلسطينية في الضفة المحتلة وتطرح مشاريع قوانين لضم مساحات واسعة مثل الكتل الاستيطانية الكبيرة او ضم كامل لمنطقة "ج" التي خلقها اتفاق "اوسلو"، وما يرد في هذه التفاهمات بان السيطرة العسكرية الاسرائيلية ستتواصل في منطقة غور الاردن والتي تشكل 25% من مساحة الضفة على مدى اربعة او ثمانية عقود.
في ظل الواقع العربي المتفكك المتجه نحو التحالف مع الكيان الاسرائيلي لا توجد رافعة يمكن ان تستند اليها السلطة الفلسطينية غير الشعب الفلسطيني ووحدته لصد الضغوط الاسرائيلية والامريكية لفرض الرؤية السياسية الاسرائيلية التصفوية للقضية الفلسطينية فما يجري يعاكس تماما حتى المواقف العربية السابقة الضعيفة التي كانت ترفض التعامل مع أي حلول او تسويات مع الكيان الاسرائيلي لا يقبلها الفلسطينيون او الدخول في علاقات معه دون الوصول الى تسوية للقضية الفلسطينية اذ يجري بشكل علني خلق محور اسرائيلي عربي تمثله بشكل اساسي دول الخليج يجعل من ايران هي العدو والقضية الاساسية فيما يمكن ترحيل القضية الفلسطينية الى اولوية ثانية لا تعيق الحراك العربي الإسرائيلي الامريكي ضد العدو الجديد وهذا مغزى وجوهر التحرك الامريكي الذي يلج الى حراك سياسي في الموضوع الفلسطيني يريد ازاحة احراج القضية الفلسطينية عن العرب بمثل هذا الحراك.
واضح أن المرحلة القادمة تحمل مخاطر كبيرة على القضية الفلسطينية ويساهم بذلك بشكل رئيسي الانقسام الفلسطيني والذي بات مفروزا على المحاور التي تتشكل في المنطقة فطرفاه يصنفان مع محور ضد اخر الامر الذي يوفر مساحة واسعة لدولة الاحتلال لفرض رؤيتها ومواقفها السياسية من خلال اللعب على وتر هذه المحاور والضغوط المتزايدة على غزة بتشديد الحصار تسير في هذا الاتجاه ودون إدراك لهذه المخاطر وتحرك فلسطيني موحد لمواجهتها فإن الخاسر الوحيد سيكون الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.


التعليقات : 0