غزة/ قاسم الأغا
لم تمضِ سوى ساعات على الإعلان الجديد للإدارة الأمريكية قطع ما قيمته (200) مليون دولار من قيمة مساعداتها "الإنسانية" المقدمة للسلطة الفلسطينية؛ حتى أعقبتها بخطوة أخرى تعكس نوايا واشنطن الحقيقية، بتصفية القضية الفلسطينية وثوابتها الأساسية، وعلى رأسها حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، الذين هُجّروا إبّان النكبة عام 1948.
أولى خطوات إدارة "ترمب" السياسية لتصفية هذا الحق بدأت مطلع يناير من العام الجاري، حينما قطعت مبلغ 300 مليون دولار من أصل مساعداتها البالغة 365 مليون دولار لـوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)؛ لتبقي المؤسسة الأممية في ضائقة مالية كبيرة، تهدّد مستقبلها.
ولم تقف الإجراءات الأمريكية عند هذا الحد، إذ كان آخرها ما كشفته وسائل الإعلام العبريّة، أمس الأول، عن أن إدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، ستتجه مع بداية الشهر المقبل (سبتمبر) لإعلان خطوات تغيّر من طريقة عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، وصولًا إلى شطب حقهم بـ"العودة".
وبحسب القناة العبريّة الثانية فإن إدارة "ترمب" ستعتبر عدد اللاجئين الفلسطينيين نصف مليون لاجئ فقط، وليس 5 ملايين (كما تقول الوكالة)، في إشارة إلى الاعتراف فقط باللاجئين المهجرّين على أيدي العصابات الصهيونية عام 1948.
كما ستتخذ الإدارة الأمريكية سلسلة إجراءات تتمثل بالإعلان عن وقف تمويل كامل لـ"الأونروا" في عدد من المناطق، وإيجاد صيغة قانونية جديدة تكفل عدم نقل صفة اللاجئ بالوراثة من الأجداد والآباء إلى الأبناء.
وأشارت القناة إلى أن هذه الخطوات التي لاقت ترحيبًا من مسؤولين "إسرائيليين" قد يُشرع بتنفيذها عمليًا الأسبوع المقبل.
وعقب الكشف عن التوجه الأمريكي، استنكرت منظمة التحرير الفلسطينية ما تناقلته وسائل الإعلام العبريّة بشأن خطة الإدارة الأمريكية لتصفية قضية اللاجئين، واصفة ذلك بـ"الهراء الذي لا قيمة له".
لا قيمة له
وقال عضو اللجنة التنفيذية بالمنظمة رئيس دائرة شؤون اللاجئين فيها أحمد أبو هولي: "إن ما تضمنته الخطة الأمريكية من إعلان إدارة ترمب سحب الاعتراف بوكالة اونروا ورفض تعريف اللاجئ، والاعتراف فقط بحوالي عشرة بالمائة من عدد اللاجئين المعترف بهم حاليًا هراء لا قيمة له".
وأضاف أبو هولي أن "قضية اللاجئين الفلسطينيين هي جوهر الصراع العربي – "الاسرائيلي" في المنطقة، وحلّها لا يكمن إلّا من خلال تطبيق قرارات الأمم المتحدة، وفي مقدمتها القرار (194)، القاضي بعودة اللاجئين إلى ديارهم التي هُجروا منها قسرًا إبان النكبة الفلسطينية عام 1948".
وأكّد أبو هولي على أن الأمم المتحدة هي صاحبة الولاية على "أونروا"، ومن صلاحياتها تحديد مصير وبقاء عمل الوكالة وتحديد تعريف اللاجئ الفلسطيني، وتحديد أعدادهم.
وشدّد على أن الإدارة الأمريكية لا تمتلك إسقاط حقّ عودة اللاجئين الفلسطينيين أو الالتفاف عليه، من خلال وقف دعمها لـ"أونروا"، موضحًا أن العودة حقّ مكفول بالقانون الدولي، وبالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومدعوم بقرارات الشرعية الدولية، ولا يحق لأي جهة كانت أن تتجاوز قرارات الأمم المتحدة.
وتابع: "وكالة الغوث تعمل في إطار المنظومة الدولية، ووفق التفويض الممنوح لها بالقرار 302"، لافتًا إلى أن الوكالة شكّلت عامل استقرار لمنطقة الشرق الأوسط على مدار الـ 70 عامًا الماضية (منذ النكبة).
تمهيد للصفقة
من جهته، عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين طلال أبو ظريفة، قال :"إن خطّة الإدارة الأمريكية التي كشفت وسائل الإعلام العبرية عنها تأتي في إطار محاولات واشنطن لتصفية قضية اللاجئين، وتمهيدًا لتطبيق "صفقة القرن".
وأكّد أبو ظريفة لـ"الاستقلال" أنه ليس من حق الولايات المتحدة وغيرها أن تعيد تعريف "اللاجئ"، مشددًا على أن أمريكا بهذه السياسة تعبّر عن انحيازها السافر والكامل لدولة الاحتلال".
وأضاف: "لا يمكن القبول بأي شكل من أشكال الاعتداء على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى مدنهم وقراهم التي هُجروا منها، باعتباره حقًا فرديًا وجماعيًا وقانونيًا وسياسيًا كفلته قرارات الشرعية الدولية".
وطالب بمجابهة السياسات الأمريكية و"الإسرائيلية" التي تستهدف "حق العودة"، وتجفيف مصادر دعم الأونروا، والمسّ بمخيمات اللاجئين، ومحاولات إعادة تعريفهم، من خلال تنظيم تظاهرات واسعة للاجئين بكافة مناطق تواجدهم.
ودعا عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية السلطة الفلسطينية إلى مغادرة ما وصفه "مربع الانتظار"، وتنفيذ القرارات المتخذة وطنيًا والمتعلقة بالقضايا المختلفة، أبرزها التحلّل من اتفاق "أوسلو"، وسحب الاعتراف بالاحتلال، ووقف كل أشكال العلاقة معه، بالإضافة إلى إعادة بناء الوحدة الوطنية على قاعدة الاستراتيجية الوطنية الجامعة.
وقبل أسابيع عدّة، كشفت وسائل إعلام أجنبية عن فحوى رسائل إلكترونية بعثها، "جاريد كوشنر"، صهر ومستشار الرئيس الأمريكي "دونالد ترمب" لعدد من كبار موظفي البيت الأبيض، دعا فيها إلى إنهاء عمل الأونروا؛ "لأنها تعمل على تأبيد الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من خلال تخليد قضية اللاجئين".
ووصف "كوشنر" في رسائله وكالة الغوث بـ "مؤسسة يعتريها الفساد ولا تسهم في توفير حل سياسي للصراع بين الشعب الفلسطيني وإسرائيل"، كما قال.
وتأسست وكالة "أونروا" بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949، لتقديم المساعدة والحماية للاجئين الفلسطينيين في مناطق عملياتها الخمس (قطاع غزة، الضفة المحتلة، سوريا، الأردن، لبنان).
وبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين في مناطق عمل الوكالة حتى نهاية 2014، نحو (5.9) مليون لاجئ، حسب مصادر فلسطينية رسمية.


التعليقات : 0