غزة/ قاسم الأغا
تكشف قرارات الولايات المتحدة السياسية والمالية المتلاحقة ضد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" الوجه الحقيقي لسياسة واشنطن المنحازة للاحتلال الإسرائيلي، الساعي لتصفية حق عودة اللاجئين، الذين هجّرتهم العصابات الصهيونية قسرًا من مدنهم وقراهم إبّان النكبة عام 1948، باعتباره ثابتًا أساسيًا من ثوابت القضية الفلسطينية.
آخر حلقات "التـأزيم" الأمريكي لـ"أونروا"، أعلنت عنه الخارجية الأمريكية، الجمعة الماضية، عندما أكّدت رسميًا قطع مساعدات بلادها المالية لوكالة "اونروا" بشكل كامل، بعد تسريبات تناقلتها وسائل إعلام غربية وعبريّة حول هذا الصدد؛ ليبقي هذا القرار المؤسسة الأممية في ضائقة مالية كبيرة، تتهدّد مستقبلها.
وجاء في بيان الخارجية أن "الولايات المتحدة قرّرت عدم تقديم المزيد من المساهمات للأونروا بعد الآن"، مضيفةً "أن واشنطن حذّرت سابقًا من أنها "لن تتحمل القسم الكبير من هذا العبء بمفردها"، بعد مساهمتها الأخيرة (في يناير/ كانون الثاني الماضي) بأكثر من 60 مليون دولار".
وأشارت إلى أن إدارة الرئيس "دونالد ترمب" طالبت في وقت سابق بمعالجة "مشاكل في طريقة عمل الوكالة، دون حدوث أي تغييرات". زاعمةً أن "نموذج عمل "أونروا" وممارساتها المالية، عملية معيبة بشكل لا يمكن إصلاحه".
في المقابل، وصفت الوكالة الأممية وقف التمويل الأمريكي لها بشكل كامل بـ"المخيب للآمال"، وأكّدت أنها "ستواصل بإصرار أكبر نشاطها بالتعاون مع الشركاء الحاليين والجدد". بحسب المتحدث باسم الوكالة "كريس غونيس".
وقال "غونيس": "تُعبّر أونروا عن أسفها الشديد وخيبة أملها إزاء قرار الولايات المتحدة أنها لن توفر تمويلًا للوكالة بعد عقود من الدعم السياسي والمالي القوي". موضحًا أن القرار مثير للدهشة من منطلق أن "أونروا" وواشنطن جدّدا اتفاق التمويل للوكالة في ديسمبر 2017، في اعتراف بنجاحها وعملها الدؤوب والإدارة الاحترافية لها.
وعبّر المسؤول الأمميّ عن رفضه بأشدّ العبارات "الانتقاد الموجّه لمدارس أونروا ومراكزها الصحية وبرامج المساعدات الطارئة ووصفها بأنها معيبة ".
وأثار قرار الإدارة الأمريكية قطع مساعداتها المالية عن وكالة الغوث الدوليّة، ردود فعل فلسطينية رسمية وفصائلية منددّة بتداعيات القرار على القضية واستقرار وأمن المنطقة.
تنكّر وعداء
حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، أكّدت أن الولايات المتحدة بزعامة "دونالد ترمب"، ومن خلال وقف دعمها الكامل لوكالة الأونروا تثبت أنها "الأشد عداءً وتنكرًا لحقوق وثوابت الشعب الفلسطيني".
الحركة وعلى لسان مسؤول مكتبها الإعلامي داود شهاب، قالت: "إن الحرب على اللاجئين الفلسطينيين هي أحد أوجه الاستهداف الأمريكي للقضية الفلسطينية من خلال خطة ترمب"، معربةً عن استغرابها مواصلة الإدارة الأمريكية دعهما لأجهزة أمن السلطة بالضفة المحتلة، في الوقت الذي تسعى فيه لإنهاء "حق العودة".
وفي تصريح لـ"الاستقلال"، شدّد شهاب على أن "الرد على الموقف الأمريكي يتطلب توحيد الموقف الفلسطيني، والتخلي نهائياً عن مشروع التسوية الذي تسلّلت من خلاله وعبره كل هذه المؤامرات"، وفق تعبيره.
واعتبر أن تحقيق الوحدة الوطنية بين كل مكونات الشعب الفلسطيني، ومغادرة نهج المفاوضات ومسار "أوسلو"، ووقف كل أشكال التنسيق الأمني مع العدو، تمثل "الاختبار الحقيقي" لأي حديث عن رفض السياسات الأمريكية.
ابتزاز مرفوض
أما حركة المقاومة الإسلامية (حماس) فقد عبّرت عن رفضها القاطع لقرار وقف الدعم الأمريكي الكامل للأونروا"، مؤكدة أن هذا القرار وغيره من القرارات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية تهدف لتصفية الوكالة وقضية اللاجئين الفلسطينيين.
وقال مسؤول مكتب الحركة لشؤون اللاجئين في لبنان أبو أحمد فضل: "حماس ترفض الابتزاز الأمريكي السياسي، المتمثل بوقف الدعم المالي الملتزمة به سنوياً، وهذا تأكيد جديد على انحياز واشنطن إلى الجانب الصهيوني والتعمية على جرائمه".
وأضاف فضل لـ"الاستقلال" أن هذا القرار محاولة لإنهاء قضية اللاجئين، لافتًا إلى أنه سيؤدي الى تدهور أوضاع اللاجئين الفلسطينيين الإنسانية ويعرضها للخطر.
وتابع: "قضية اللاجئين، هي قضية فلسطينية عربية إسلامية إنسانية، ستبقى ثابتة في وجه المؤامرات حتى التحرير والعودة الى كل فلسطين"، مشددًا على أن كل القرارات التي تستهدف هذه القضية لن تؤثر على تمسك اللاجئين بحقوقهم المشروعة التي يكفلها القانون الدولي وحقوق الانسان.
ودعا المسؤول بـ "حماس" العالم العربي والإسلامي والمجتمع الدولي لمواجهة الضغوط الأمريكية والتكاتف للحفاظ على وكالة الغوث، وحقوق شعبنا والعاملين فيها، وعدم السماح بإسقاطها.
لن يلغي التفويض
وفيما استنكرت منظمة التحرير الفلسطينية قرار القطع الأمريكي للمساعدات المقدمة للوكالة؛ مؤكدة أن هذه الخطوة لن تُلغي تفويضها الممنوح لها بالقرار الأممي رقم (302) في تقديم خدمات الإغاثة والتشغيل لما يقارب من 5.9 ملايين لاجئ فلسطيني.
وقال عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة رئيس دائرة شؤون اللاجئين فيها، أحمد أبو هولي، "إن القرار الذي يأتي في إطار الابتزاز السياسي؛ لإنهاء عمل الوكالة وتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين، وتمرير "صفقة القرن"، الهادفة لإسقاط ملفيّ القدس واللاجئين من مفاوضات الحل النهائي".
وخلال حديثه لـ"الاستقلال"، حذّر أبو هولي من تداعيات القرار الأمريكي وانعكاساته على أمن واستقرار المنطقة برمتها، مضيفًا أن "الأونروا شكّلت على مدار 70 عامًا (منذ نكبة فلسطين عام 1948) عامل استقرار للمنطقة.
وأكد أن محاولات إنهاء دور الوكالة في ظل غياب الحل السياسي لقضية اللاجئين؛ سيدفع بالمنطقة إلى دوامة عنف وحالة من عدم الاستقرار من الصعب السيطرة عليها.
وشدد على أن "أونروا" ستبقى قائمة وستستمر في تقديم خدماتها للاجئين حسب التفويض الممنوح لها (القرار302)، "وهناك شبه اجماع دولي على بقاء واستمرار عملها لحين إيجاد حل عادل وشامل لقضية اللاجئين، طبقًا لما ورد في القرار الأممي 194".
ومن المقرر أن يُعقد نهاية الشهر الجاري مؤتمر دولي في نيويورك، على هامش اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة برعاية الأردن والسويد والاتّحاد الأوروبي واليابان، إضافة إلى تركيا بصفتها رئيس اللجنة الاستشارية لوكالة "أونروا"؛ ردًا على القرار الأمريكي لتحشيد الدعم المالي والسياسي للوكالة وتأمين تمويل دائم ومستدام لميزانيتها بديلًا عن الدعم الولايات المتحدة.
ودعا رئيس دائرة شؤون اللاجئين بمنظمة التحرير إلى التحضير الجيّد لهذا المؤتمر، مطالبًا الدول المانحة والمموِّلة الوفاء بالتزاماتها وتعهداتها المالية، والتبرع بتمويل إضافي يساهم في مساعدة وكالة الغوث للخروج من أزمتها المالية وتغطية العجز المالي الذي تسببه وقف دعم الإدارة الأمريكية لها كليًا.
وقبل أسابيع عدّة، كشفت وسائل إعلام أجنبية عن فحوى رسائل إلكترونية بعثها، "جاريد كوشنر"، صهر ومستشار الرئيس الأمريكي "دونالد ترمب" لعدد من كبار موظفي البيت الأبيض، دعا فيها إلى إنهاء عمل الأونروا؛ "لأنها تعمل على تأبيد الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من خلال تخليد قضية اللاجئين".
ووصف "كوشنر" في رسائله وكالة الغوث بـ "مؤسسة يعتريها الفساد ولا تسهم في توفير حل سياسي للصراع بين الشعب الفلسطيني وإسرائيل"، كما قال.
ومطلع يناير من العام الجاري، بدأت إدارة البيت الأبيض قطع مبلغ (300) مليون دولار من أصل مساعداتها البالغة (365) مليون دولار لـوكالة "أونروا".
وتأسست الوكالة بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949، لتقديم المساعدة والحماية للاجئين الفلسطينيين في مناطق عملياتها الخمس (قطاع غزة، الضفة المحتلة، سوريا، الأردن، لبنان).
وبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين في مناطق عمل الوكالة حتى نهاية 2014، نحو (5.9) مليون لاجئ، حسب فلسطينية رسمية.


التعليقات : 0