غزة/ دعاء الحطاب
بجوار ثلاجة الموتى، هناك حيث رائحة الشهداء العطرة، وأصوات الصياح والعويل تملأ الأرجاء، كان يقف مُتصلباً لا يستطيع الابتعاد، وهو يُحاول أن يُلقي نظرةً استطلاع على شهيد أعلن الأطباء أنه مجهول الهوية لم يتعرف عليه أحد منذ وصوله للمستشفى قبل ساعتين.
وبعد دقائق، توجه والد الشهيد شادي عبد العال إلى أحد الموظفين المختصين طالباً منه مشاهدة الشهيد المجهول الهوية، لتكون الصاعقة بأن الممدد أمامه طفله المدلل شادي، فكان المشهد كالسيف أُغمد بقلبه.
وارتقى الطفل شادي عبد العال (12 عاماً) شهيداً، الجمعة الماضية، عقب اصابته برصاص الاحتلال الإسرائيلي في رأسه، شرق بلدة جباليا شمال قطاع غزة، خلال مشاركته في الجمعة الخامسة والعشرين "المقاومة خيارنا" من مسيرة العودة وكسر الحصار السلمية.
صاعقة الاستشهاد
قلب الأب الذي فطر على حب ابنه لم يستطع تماسك نفسه، فاقترب منه أكثر وبدأ يمسح على وجهه ولسانه يردد " شادي حبيي قوم يابا، انت ليش نايم هان"، ثم ألقى نفسه فوق فلذه كبده والدموع تنهمر من عينيه ويصرخ بكلماتٍ "هذا ابني ذنبه في الحياة أنه شارك في مسيرات سلمية"، حتى فقد وعيه.
بعيونٍ محمرة من شدة الحزن، يروي والد الشهيد تفاصيل صدمته:" كنت في المستشفى الاندونيسي مع أحد أبنائي ليتلقى العلاج بعدما قطع اصبعه، وهناك بالصدفة سمعت الأطباء يقولون: ان هناك شهيد مجهول الهوية لم يتعرف عليه أحد منذ ساعتين، فشعرت بفضول كبير لرؤيته".
ويتابع الوالد المغلوب على أمره، محاولا انتشال ذلك المشهد من تحت ركام الذاكرة:" توجهت الى أحد الموظفين المختصين بثلاجات الموتى، وطلبت منه مشاهدة الشهيد المجهول، وبمجرد أن رفع الغطاء صُدمت أن الشهيد طفلي شادي".
وبعدما خانته عيناه وأسقطت دمعها الحزين، أضاف الوالد:" ما كنت بتوقع للحظة انه يكون ابني، شوفته وفجأة بعدت حكيت لا مش معقول هاد شادي يمكن بتخيل، قربت ثاني عليه ودققت بملامحه تأكدت انه هو شادي، شعرت انه الدنيا ضيقة كتير ما عرفت اعمل شيء غير اني اترجاه يقوم بس ما رد عليا".
ورغم الحزن العميق الذي يجتاح قلب الوالد، الا أن مشاعر الفخر بدت حاضرة بقوة، قائلا:" الحمد الله انه ابني شهيد، الله يرحمه ويسهل عليه رفع راسي، انا فخور فيه".
لم يحمل سلاحاً
" شادي" رغم صغر سنه، لم يغب جمعة واحدة عن مسيرات العودة على مدار الأشهر الماضية، فقد كان يتقدم صفوف المتظاهرين بقلب أسد لا ترعبه قناصات جيش الاحتلال الإسرائيلي المتمركزة على الحدود الشرقية لمخيم جباليا شمال القطاع.
وأثناء فعاليات جمعة " المقاومة خيارنا" تقدم شادي لرفع إشارة النصر في وجه الجنود المختبئين خلف السواتر الرملية داخل السياج الأمني، فما كان من أحد الجنود المدجّجين بالسلاح إلا إطلاق رصاصة على رأسه، أسقطته أرضاً.
لم يكن والد الشهيد يتوقع أن يكون طفله يوماً هدفا لقناص إسرائيلي، رغم مشاركته الدائمة في مسيرات العودة، فيقول:" شادي لم يُشكل خطراً على الجنود ولم يكن يحمل سلاحاً أو حتى حجراً، طلع سلمي مثل باقي المتظاهرين، طلع ببنطالون وبلوزة ما طلع ببدله عسكرية ليقتلوه"، متسائلا بحرقه:" شو الذنب طفل لم يتجاوز الـ12 سنة ينقتل بدماء باردة، ذنبه إنه بحب وطنه؟".
ويستذكر الوالد آخر لحظات جمعته بابنه الشهيد قبل خروجه إلى المسيرة، حين قال لأمه:" يما اذا استشهدت حطوا عليا علم فلسطين، وخبولي أواعي المدرسة والشنطة ما تعطيهم لحد"، الأمر الذي أثار غضب والديه وجعلهما يُصممان على منعه من الذهاب للمسيرة، إلا أنه لم يستجب لهما وغافلهما وخرج من المنزل متوجه الى الحافلات المخصصة لنقل المتظاهرين الى ميدان العودة.
بابتسامة حزينة، أردف الوالد:" عيد ميلاد والدته كان يوم استشهاده، فكان يوعدها ان يُقدم لها أجمل هدية تتذكرها طوال عمرها، والحمد لله استشهاده كان أعظم هدية".
وفي نهاية حديثه، طالب والد الشهيد مؤسسات حقوق الانسان و الطفل والمجتمع الدولي بمحاسبة جنود الاحتلال الإسرائيلي لارتكابهم جرائم القتل بحق أطفال فلسطين الذين لا يحملون برؤوسهم سوى أحلماً بالعيش بأمان وسلام في وطن السلام.
موكب التشييع
كان الصباح بائساً كأوراق الخريف المتساقطة، صباح الوداع الأخير، والقبلة الأخيرة على جبين الشهيد الشادي، فهذا اليوم لا مجال فيه للعتاب ولا للأمنيات المعلقة، هو فقط للوداع في قلوب الأحبة، وداع أخير ليس بعده شيء، سوى قلوب فارغة تدعو الله أن يُسكن قلبها ويلهمها الصبر على هذا الفراق.
وانطلق موكب التشيع بمشاركة عشرات الالاف من المواطنين من مستشفى الاندونيسي إلى منزل العائلة بجباليا، لإلقاء نظره الوداع الأخير عليه، قبل مواراة جثمانه الثرى بمقبرة الشرقية.


التعليقات : 0