غزة/ دعاء الحطاب
« وطن يعيش فينا، نحبه ما استطعنا اليه سبيلاً»، عبارة كانت تحمل في ثناياها أمنية الشاب محمد أبو ناجي، الذي كان يحمل في قلبه وطناً جميلاً، وينتهز كُل فرصةٍ أمامه للدفاع عنه، يُشارك في المسيرات السلمية الرافضة لوجود المغتصبين ببلاده تارةً، وتارةً أخرى يتقدم الصفوف على خط المواجهة مع جنود الاحتلال المدججين بالسلاح.
"محمد" اختار الطريق الذي سيوصله إلى أسمى ما كان يتمنى، فترجل فارساً في ميادين العودة، وتقدم صفوف المتظاهرين على مدار الأشهر الماضية، يُشعل الإطارات المطاطية محاولاً حماية المتظاهرين من رصاصات الاحتلال، ويرفع علم بلاده في وجه الجنود المختبئين خلف السواتر الرملية داخل السياج الفاصل، ليُثير غضبهم ويُثبت ملكية وطنه.
ولم تقتصر مشاركة " محمد" بمسيرات العودة على الحدود الشرقية فقط، بل انضم أيضاً لعشرات المتظاهرين أمام معبر بيت حانون شمال القطاع، يوم الثلاثاء الماضي، ليلقي ربه شهيداً إثر اصابته بعيار ناري متفجر اخترق صدرة جراء اطلاق جيش الاحتلال النار على المشاركين بالتظاهرة، محققاً أمنية طالما أفصح عنها لذويه وهي الموت في سبيل الله والوطن.
قلب معلق بالشهادة
" أبو ناجي" لم تثنيه اصاباته المتكررة بقدمية عن المشاركة في المسيرات الوطنية والاحتجاجية السلمية المناوئة للاحتلال على مدار سنوات حياته، بل زادته شغفاً بالشهادة واصراراً على مواصلة المسيرة بعزة وحماس شديدين، لتكون شجاعته ختامها مسك ولحظه فارقة في حياة ذويه.
ويقول والد الشهيد أبو ناجي، والألم يعتصر قلبه:" محمد من صغره كانت روحة معلقة بالشهادة، فلم يسمع عن مسيرات او احتجاجات سلمية رافضة لوجود الاحتلال ومنددة بجرائمه الا وشارك بها، كذلك لم يكن يُفوت أي فرصه بها مواجهه مع الاحتلال الا وينتهزها".
ويتابع بغصة تعترض صوته:" أصيب محمد مرتين باعتداءات قوات الاحتلال على غزة، مرة في قدمة اليسرى برصاصة عام 2000 خلال مواجهات أمام معبر بيت حانون، وأخرى برصاصة في قدمة اليمني عام 2008 تسبب في شلل نصفي بها، لكن ذلك لم يمنعه يوماً عن المشاركة في مسيرات العودة للمطالبة بحقة في أرضه وعودة اللاجئين، وكسر الحصار".
وشكلت إصابة الشهيد عجزًا في قدميه، مما حرمته من ممارسة هوايته المفضلة كرة القدم وصعوبة في الحركة، حتى بدأ بالتحسّن تدريجيًّا، حتى تزوّج وأنجب طفلتين.
صاعقة الفراق
عصر يوم الثلاثاء الماضي، توشح محمد بكوفيته الفلسطينية وحمل علم بلاده، ثم احتضن طفلتيه وأوصي زوجته بالاهتمام بهما، وتوجه إلى والديه وقبل يديهما وطلب منهما الدعاء له بالتوفيق، فحين أخبره والده بالبقاء بجوارهم والابتعاد عن الحدود ، قال:" هاد مشروع بدينا فيه، ولازم ننهيه".
كان يوماً عادياً بتفاصيله بالنسبة لوالد الشهيد، لكن مع ساعات المساء الأولى بدأ شعورٌ غريب يتسرب الى قلبه، لا يعلم سببه، حتى تلقي اتصالاً هاتفياً من أحد رجال الإسعاف يُخبره باستشهاد محمد، ليكون بمثابة صدمة أصابت قلبه رغم أنه على يقين بأن الفراق آت لا محالة.
صمت كل شيء في المكان، ولم يبق سوى تساؤلات شقيقة الأصغر "يابا شو في؟.. يابا شو مالك؟"، حتى صرخ الأب قائلاً:" أخوك استشهد يابا.. محمد راح"، وانطلق مسرعاً صوب المستشفى، وقلبه يكاد ينفجر من شدة الألم.
ويقول:" قالوا لي محمد استشهد ما صدقتهم، اطلعت اجري على المستشفى لقيته في ثلاجة الموتي غرقان بدمه ومكفن بالأبيض، كان جسمه بارد، حضنته وبوسته، حفرت ملامح وجهه بعيني عشان ما أنساها طول عمري".
بينما كان يُخفي دمعته، يستذكر الوالد آخر حوار دار بينه وبين الشهيد قبل خروجه إلى المسيرة: "حكتله يا محمد أقعد واهدي، خلص ما تروح على المسيرات، تصاوبت كذا مرة مش كل مرة راحت تطلع منها سالم، بلاش المرة الجاية تموتك، لكن ما سمع كلامي وقالي:" يابا هاد مشروع بدينا فيه وما حتراجع، ما تخاف عليا".
وبعدة تنهيدة شقت صدره لتكشف حجم حزنه، استكمل حديثه:" صار اللي كنت خايف منه، راح حبيب قلبي، لكن الحمد الله انه الله اختاره شهيد، وهذا بحد ذاته سلوان عظيم".
موكب التشييع
كانت الأجواء هادئة، لكن قلب أمه يغلي، وعيون شقيقاته وزوجته مُحمرة من البكاء، وطفلتيه متسائلتان عما يدور حولهما، والرجال ينتظرون بشغفٍ لاستقبال الشهيد، وما أن وصول للبيت انقلبت أجواء الهدوء إلى عاصفة من التكبير والتهليل والزغاريد.
وانطلق موكب التشيع بمشاركة عشرات الآلاف من المواطنين من المستشفى الاندونيسي إلى منزل العائلة شمال القطاع ، لإلقاء نظره الوداع الأخير عليه، قبل مواراة جثمانه الثري بمقبرة الشهداء.


التعليقات : 0