غزة/ دعاء الحطاب
قبل أن يقول القدر كلمته الأخيرة، عاد إلى منزلة بثيابه السوداء الملبدة برائحة الدخان، وعيناه تلمعان فرحاً كأن هناك بشرى زفت إليه أو حلم أشرقت شمسه بعد طول انتظار، قبل رأس أُمه ثم أخرج من "جيبه" مظروفٍاً أسود فيه "رمل"، وضعه بيديها، سألته باستغراب: "ما هذا؟" فأجابها باسماً:" الليلة اجتزت السلك، وجبتلك رمل أرضنا تشميه، الله سترني كان انا الآن شهيد". في تلك اللحظة لم تستطع والدة الشهيد عماد اشتيوي إخفاء قلقها الشديد عليه، فقلبها الذي فُطر على حبه لا يتقبل فكرة الفراق، فمسحت بيديها على وجهه المُنير وقالت له:" الله يحفظك ويطول عمرك يما، وان شاء الله بتحقق كل أحلامك".
ليلة واحدة كانت الفاصل بين حديث الشهيد "عماد" وخروجه لأداء مهمته في وحدة الإرباك الليلي على الحدود الشرقية لقطاع غزة، فأرتدى ملابسه ومضى بعد أن طبع قبلته الأخيرة على جبين والدته كعادته، قائلا:" يما حروح مشوار صغير وراجع بسرعة".
عشر دقائق فقط
ومع خروج عماد(21عاما) من المنزل، عاد كل شيء لصمته وسكونه إلا قلب والدته الذي يرتجف خوفاً عليه ويترقب عودته سالماً، لكونها تعي تماماً مدى إصراره على العمل ضمن وحدة الارباك الليلي والذي من الممكن أن يكون أحد ضحايا قناصات الاحتلال التي توزع الموت بصفوف المتظاهرين.
وبعد عشر دقائق، تلقى شقيق الشهيد "عماد" اتصالا هاتفياً من أحد الشباب يُعلمه بأن أخيه قد أُصيب، لم يُصدق ما سمعه، لكنه تمالك نفسه وأخذ يحاول الاتصال برقم "عماد"، حتى فُتح الخط:" ألو عماد وينك؟" لكن صوتاً غريباً أجابه:" أنا المسعف، وصاحب هذا الجوال استشهد".
وقع خبر الاستشهاد كالصاعقة على قلب شقيقه، وبقي عاجزاً عن الإجابة على تساؤلات أمه:" يما مين اللي مستشهد؟"، فما كان منه إلا أن يُلقي الهاتف أرضاً والهروب من المنزل، لتشتعل نيران الخوف بجوارحها.
مضت الساعات وكأنها سنوات، ووالدة الشهيد تتنقل بين الإذاعات المحلية التي تتابع تغطية الأحداث على الحدود الشرقية لقطاع غزة لحظةً بلحظة، وتنصت لأسماء الشهداء والجرحى بدقة خوفاً من أن يكون نجلها واحداً منهم، لكنها لم تتوقع أن الخبر الذي تخشاه سيصلها قبل أن يُبث بالإذاعات.
بسرعة البرق توجهت نحو التلفاز، وأخذت تتنقل بين الفضائيات الإخبارية المحلية التي تتابع تغطية الأحداث ، حتى انبثق أسفل الشاشة ذلك الشريط الأحمر "عاجل: استشهاد الشاب عماد اشتيوي برصاص قوات الاحتلال شرق قطاع غزة، بعد أن أطلق جنود الاحتلال النار عليه، وأصابته برصاصة في الرأس"، انقبض قلب الوالدة وفقدت الوعي فوراً.
بقلب تنعكس حرقته على نبرة صوتها، تقول والدة الشهيد:" خبر استشهاده كان زي الصاعقة على قلبي، كنت بستنى يدق باب الدار وينادي عليا زي عادته، لكن هادي المرة رجع محمول على الأكتاف".
وأردفت بصوتها الحزين، خلال حديثها لـ"الاستقلال":" قبل استشهاده بدقائق معدودة، كنا طالعين مشوار سوا، عند ما وصلنا البيت قال لي: "يما انا بدي أروح مشوار صغير وراجع بسرعة"، حكتله " الدنيا ليل يا عماد وين بدك تروح؟"، قلي حعمل شغله وأرجع مش حتحسي بغيابي، دقائق بكون هان".
أجهشت بالبكاء، ثم تابعت حديثها:" عماد رجع شهيد بعد عشر دقائق من خروجه، كان مستعجل كتير على الشهادة، الله يصبرني على فراقة ويتقبله شهيد".
رمل الأرض
" يرحلون ونبقى.. والأرض لنا ستبقى، ها نحن اليوم أقوى.. أقوى من كل الملاحم، بيتي هنا.. أرضي هنا، البحر السهل النهر لنا، وكيف بوجه النار أسالم، سأقاوم"، تلك العبارات كانت آخر الكلمات التي نشرها الشهيد عماد اشتيوي على صفحته الشخصية (فيسبوك)، لعله من خلالها يُعبر عن مدي تمسكه بأرضه ونهج المقاومة. وتُضيف والدمع يملأ وجنتيها:" قبل ليلة من استشهاده، انتهى من عمله بوحدة الارباك الليلي على الحدود، ورجع فرحان كتير عشان اجتاز السلك وأعطاني ظرف فيه رمل، سالته شو هاد؟ قلي يما رمل البلاد، وقتها حسيت أنه بدو يستشهد لكن ما كنت بتوقع يكون مستعجل لهذه الدرجة".
ولم يغب "عماد" جمعة واحدة عن مسيرات العودة على مدار الأشهر الماضية، فقد كان يتقدم صفوف المتظاهرين بقلب أسد لا ترعبه قناصات جيش الاحتلال الإسرائيلي المتمركزة على الحدود الشرقية للقطاع، كما انضم بوحدة الارباك الليلي ليكون أحد فرسانها ويبث الرعب في قلوب جنود الاحتلال الجبناء.
وتستكمل حديثها:" منذ انطلاق مسيرات العودة ما غاب ولا جمعه عنها، كنت أعصب عليه وأحكيله ما تروح، لكن ما كان يسمع كلامي ويقول يما لازم نروح عشان نحرر بلادنا، وقتها ما كنت أعجز عن الرد عليه وأدعي له بأن يُسهل الله عليه ويُحقق أحلامه".
ورغم ألم الفراق الذي يجتاح قلب الوالدة، الا أن ملامح الفخر تُزين ملامحها، فتقول: " ابني قطعة من روحي وغالي عليا لكن فلسطين يرخص لها كل غالي، وأنا أفتخر بان ابني نال الشهادة".
الوداع الأخير
وفي يوم الوداع الأخير، تبقي حرقة القلب بعد صدمة الفراق من تلازم أهل الشهيد، وتبردها الدموع، لعلها تكون المواساة الأخيرة لهم، ولعل عزاءهم الوحيد أنه سيكون مقامه جنات الفردوس بعيدا عن سجن وطنه.
وانطلق موكب التشيع بمشاركة عشرات الألاف من المواطنين من مستشفى الشفاء إلى منزل العائلة بحي الزيتون، لإلقاء نظره الوداع الأخير عليه، ثم الصلاة عليه في مسجد صلاح الدين في حي الزيتون وسط مدينة غزة، قبل مواراة جثمانه الثرى بالمقبرة الشرقية.


التعليقات : 0