الطفل السرساوي.. "فارس العودة" الذي لبى نداء الوطن

الطفل السرساوي..
مقاومة

غزة/ دعاء الحطاب 

كغيره من أطفال غزة الذين لم يروا يوماً آمناً بحياتهم وباتوا يرسمون في مخيلتهم طريقاً يوصلهم إلى ديار أجدادهم التي هجروا منها غصباً، غادر منزله مستعجلاً صوب ميدان مسيرات العودة، سبقت خطواته جميع المتظاهرين للوصول إلى السياج الفاصل بكل ثقة متسلحاً بحبه للوطن وشجاعته، غير مكترث بتهديد أحد جنود الاحتلال بإطلاق النار صوبه اذ تقدم أكثر. 

 

« حنطخك، ارجع ورا»، قالها أحد الجنود المتمركزين خلف السواتر الرملية بصوت مرتجف، للطفل فارس السرساوي بينما كان يتقدم تجاه الجندي  رافعاً شارة النصر وباليد الأخرى يرفع علم بلاده "فلسطين" وكله إيمان أن الجندي أجبن من أن يضغط على زناد البندقية، لكنه لم يدرك أنه سيكون هدفاً ثميناً لقناصٍ آخر، فسددت نحوه رصاصة حاقدة اخترقت صدره، وأسقطته شهيداً. 

 

وما هي الا ثوانٍ قليلة، حتى هرع مسعفون متطوعون إلى الطفل وهو يتلوى من شدة الألم، ورغم المحاولات العديدة لوقف النزيف أثناء نقله إلى المستشفى أو حتى داخله، أُعلن عن استشهاده في مستشفى الشفاء بعد فشل تلك المحاولات.

 

وارتقي الطفل فارس السرساوي( 12عاما) الجمعة الماضية، بعد إصابته برصاصة في صدره أطلقها قناص إسرائيلي على الحدود الشرقية لحي الشجاعية، خلال مشاركته في الجمعة السابعة والعشرين " الثبات والصمود" من مسيرة العودة وكسر الحصار السلمية.

 

صاعقة الاستشهاد

 

وهناك في مخيم العودة، كان والد الشهيد يشتعل خوفاً على فلذة كبده بعدما فقد أثره منذ ما يقارب نصف ساعه، فأخذ يُفتش عنه بين صفوف المتظاهرين تارةً، وتارة أخرى داخل الخيام المنصوبة، لكن دون جدوى، وكأنما يبحث عن ابرة في كوم قش.

 

وفجأة شعر الوالد بانقباض قلبه فتوقف عن البحث قليلا، وإذا بصوت أحدهم يُناديه من الخلف قائلاً:" فارس تصاوب وأخذوه على المستشفى"، لم يُصدق ما سمعه، لكنه تمالك نفسه وانطلق لرؤية فلذة كبده.

 

وبمجرد وصولة المستشفى، وقبل أن يسأل موظفي الاستعلامات عن طفله المدلل فارس، كانت الصاعقة، فقد جاءه اتصال هاتفي من أحد الأطباء بالمستشفى يُعلمه باستشهاد طفله بعد فشل محاولات إنقاذه، صمت كل شيء للحظة فكان الخبر كالسيف أغمد بقلبه ولم يستطع إخفاء دموعه، ثم انتفض صوب ثلاجات الموتى ليجد صغيره ممدداً جثة هامدة أمامه.

 

ويقول والد الشهيد، بصوت حزين:" كنت معه في المسيرة، كنت ماسك ايده وبنتفرج على الأحداث، بلحظة طلعت جنبي ما لاقيته، صرت ادور عليه زي المجنون، قالولي انه تصاوب بس لما وصلت المستشفى لاقيته ممدد بالثلاجة، وجهه أصفر وغرقان بدمه". 

 

بغصةٍ تعترض صوته، يتابع خلال حديثة لـ"الاستقلال":" لما شوفت فارس بالثلاجة شعرت أن الدنيا سودة في عنيا، ما عرفت شو لازم أعمل، تمنيت لو يضحك زي كل مرة بعمل حاله فيها ميت لما يلعب، لكن ما ضحك"، مضيفاً:" حرقوا قلبي عليه الله يحرق قلوبهم، كيف قدروا يقتلوه؟، شو الذنب اللي عمله؟".

 

" مستعجل على الشهادة"

 

صباح يوم الجمعة الماضية، استيقظ "فارس" مبكراً، رتب سريره وحضر علم بلاده وكوفيته الفلسطينية، وبقي على أحرّ من الجمر ينتظر مرور الوقت، لأن والده وعده بأن يرافقه بمسيرات العودة هذا اليوم، فلا أحد يعلم سر تعلقه بتلك المسيرات، لكنهم كانوا يرون قلبه شغوفاً بها.

 

وأضاف:" يوم الجمعة استيقظ من نومه نشيط كتير، جهز علمه ولبس كوفيته، وطول الوقت كان يُراقب الساعة ويقول مالها ما بتمشي، وبمجرد انتهينا من تناول الغداء قالي" يلا يابا ماش وعدتني تروح معي"، قلت له" ماشي بس استني شوي"، رفض وقال انا مستعجل"، مردفاً:" ما كنت بعرف انه مستعجل على الشهادة لهادي الدرجة".

 

واستكمل حديثة:" الجمعة القبل الأخيرة، قال لنا اليوم بدي أستشهد، فشعرت بخوف كبير عليه أن يصيبه مكروه، فمنعته من الذهاب وأغلقت عليه باب الغرفة كي لا يذهب، لكنه قفز من النافذة على بيت عمه وذهب للمسيرات، لكنه عاد سليماً، لكن اليوم لم أستطع منعه، فقد راح لقدرة". 

 

 ويستذكر حديثة مع طفله، قائلاً:" فارس كان بحب مسيرات العودة بشكل مش طبيعي، ما بعرف شو السر، لكن بكل مرة أساله ليش بتحبها كان يقول عشان هيا اللي حتوصلنا لأرضنا للي أخذوها اليهود"، مستدركاً:" كنت أشعر بالفرح لما ابني الصغير بجاوبني بهاد الكلام، كنت أشعر وكأنه سابق سنه، لذا لم أفكر بمنعه من المشاركة منذ بدايتها".

 

ثوب الحزن

 

وبرحيل " فارس"، لبس فصله الدراسي بمدرسة معاذ بن جبل شرق مدينة غزة، ثوب الحزن، وعم الصمت أرجاءه وبدت علامات الصدمة والحزن مرسومةً على وجوه زملائه فصديقهم "الطيّب" لم يحضر اليوم، وحلّ محله إكليل ورد يحتضن صورته، بعد أن أنهت حياته رصاصة إسرائيلية أمس أثناء تظاهره سلمياً قرب الحدود الشرقية لحي الشجاعية.

 

وباتت معالم الحزن ظاهرة ليست على ملامح الطلبة فحسب بل أيضا في وجوه المعلمين ومدير المدرسة التي كان يدرس فيها الشهيد، وفي الممرات بين الفصول الدراسية أخذ صديقه الطفل يوسف القيشاوي، يتجول حاملا صورة الشهيد ليعرف الطلاب به، كما وضع صورة له على بوابة الفصل الذي يدرس فيه.

 

أما داخل منزل الشهيد، كانت والدته تجلس على أريكة صغيرة تذرف الدموع ، وسط عدد من النسوة جئن لمواساتها، بل لتهنئتها بالشهادة، وما أن وصل الشهيد محمولاً على الأكتاف حتى ألقت بجسدها فوقه تحتضنه تارةً وتقبله تارة أخرى بمشهد يدمي القلوب حزناً.

 

وانطلق موكب تشييع الشهيد فارس بمشاركة عشرات الالاف من المواطنين من مستشفى الشفاء  إلى منزل ذويه بحي الشجاعية ، لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليه، قبل مواراة جثمانه الثرى بمقبرة الشهداء. 

 

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق