غزة/ محمود عمر
يدور تساؤل مهم في الشارع الفلسطيني حول إذا ما كان سيتوقف التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وسلطات الاحتلال في حال أوقفت الإدارة الأمريكية آخر أشكال الدعم المالي المقدم للسلطة والموجه لأجهزة أمنها، رغم أن كافة الشواهد السابقة أثبتت عدم جدية هذه السلطة بوقف هذا التنسيق باعتباره "مقدساً" أو كما قال رئيسها محمود عباس.
ووقع الرئيس الامريكي دونالد ترامب على قانون جديد يمنح الفرصة أمام أي أمريكي إنهاء المساعدة المالية لقوات أمن السلطة الفلسطينية من خلال القضاء الأمريكي، حسب ما نشرت صحيفة "هآرتس" العبرية مساء الجمعة الماضية.
ويمنح القانون الجديد المحاكم الامريكية سلطة الاستيلاء على الأموال من أي كيان يتلقى مساعدة من الحكومة الامريكية، وهذا يعني مستقبلاً إذا حصلت السلطة الفلسطينية على دولار واحد من المساعدة الأمنية من الولايات المتحدة، يمكن للمواطنين الامريكيين مقاضاتهم بتهمة (دعم الارهاب).
ورفعت في الماضي عشرات الدعاوي القضائية ضد التمويل الأمريكي لأجهزة أمن السلطة، إلا أن المحاكم كانت ترفضها بحكم عدم وجود صلاحيات للمحاكم الامريكية بهذا الخصوص .
وكانت الإدارة الأمريكية أوقفت كامل الدعم المالي للسلطة الفلسطينية خلال الأشهر الماضية، باستثناء المساعدات المالية لأجهزتها الأمنية البالغة نحو 100 مليون دولار سنوياً، بهدف الحفاظ على التنسيق الأمني مع قوات الاحتلال ضد عمليات المقاومة.
وتعتبر "إسرائيل" هذا الدعم لأجهزة أمن السلطة مهماً جداً بالنسبة لها كونه ساهم بشكل كبير في إحباط عشرات العمليات الفدائية الفلسطينية التي كانت ستؤدي إلى قتل عشرات المستوطنين.
ورغم ذلك إلا أن وزارة الخارجية الأميركية أشادت بالجهود التي تقوم بها أجهزة أمن السلطة لمنع عمليات ضد "إسرائيل"، في تقريرها السنويّ الصادر في 19 أيلول/ سبتمبر 2017، رغم التوتر السياسي المتصاعد بين الإدارة الأميركية والسلطة الفلسطينيّة منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 6 كانون الأول/ ديسمبر 2017 اعترافه بالقدس عاصمة لـ"إسرائيل" ونقل سفارة بلاده إليها.
وقال التقرير نصاً: "السلطة الفلسطينيّة واصلت جهودها لمكافحة "الإرهاب" وإنفاذ القانون في الضفّة الغربيّة، حيث ظلت حماس وحركة الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية حاضرة، وإن قوّات الأمن الفلسطينية (أمن السلطة) قامت بتقييد قدرة تلك المنظّمات على شن هجمات ضد إسرائيل".
"لم يتوقف الدعم"
ونفى مصدر أمني في السلطة الفلسطينيّة، رفض الكشف عن هويته، لـ"الاستقلال"، أن تكون الولايات المتحدة قد أوقفت دعمها المالي لأجهزة الأمن الفلسطينية، كاشفاً أن الإدارة الأمريكية حولت 61 مليون دولار في أغسطس الماضي لهذه الأجهزة.
وقال المصدر: "إن السلطة لم تبلغ بقطع المساعدات الأمريكية المقدمة للأمن، إذ أن أمريكا تعتبر هذه المساعدات مهمة لاستمرار التنسيق الأمني مع إسرائيل".
وأضاف أن السلطة تعتبر بقاء هذا الدعم "مقدساً" لأن إنهاءه يعني عدم قدرة أجهزة الأمن الفلسطينية على فرض الأمن والهدوء في الضفة الغربية.
وبيّن المصدر أن الانتقادات الأميركية والإسرائيلية ضد السلطة الفلسطينية لم تمس الدور الأمني لها، "ولذلك فالتقييم الأميركي للسلطة إيجابي من الناحية الأمنية وسلبي من الناحية السياسية".
ولفت النظر إلى أنه رغم القطيعة السياسية بين السلطة وأمريكا، "إلا أن هناك قنوات أمنية لا تزال متصلة بشكل دائم".
وكانت صحيفة هآرتس العبرية كشفت في مايو الماضي أن مدير مخابرات السلطة ماجد فرج عقد لقاء سرياً، بعلم محمود عباس، مع مايك بومبيو قبل أيام من تسلمه منصبه كوزير للخارجيّة الأميركيّة.
وحول تأثّر عمل أمن السلطة بقطع المساعدات إن حصل، قال المصدر الأمني: "يجب ألا يرتبط عمل الأمن الفلسطيني بأي دعم أو تمويل، ويجب استمرار دورها كجزء أساسي في تعزيز الأمن والاستقرار في الضفة الغربية، كي لا يتم وصفنا أننا شعب إرهابي".
وشدد على أن أجهزة أمن السلطة ستستمر بدورها في تعزيز الأمن (والذي يعني عملياً منع عمليات المقاومة ضد الاحتلال) حتى لو قطعت الولايات المتّحدة مساعداتها لها.
"لن يتوقف التنسيق"
ولكن المحلل السياسي عبد الستار قاسم، قال إن الإدارة الأمريكية ماضية نحو فرض المزيد من العقوبات على السلطة الفلسطينية قد تصل إلى حد قطع المساعدات المالية لأجهزة الأمن.
وقال قاسم لـ"الاستقلال": "أمريكا تعتقد أن وقف المساعدات الأمنية لن يقلل من فرص السلام في المنطقة، لسبب هام هو أن الباحث وراء هذا السلام هو رئيس السلطة محمود عباس الذي سيبقى محافظاً على دوره في منع العمليات ضد الاحتلال حتى لو قطع الدعم الأمريكي اللازم لذلك".
وأضاف: "من الواضح جداً أن ضعف دور السلطة في منع هذه العمليات يعني عملياً إنهاء دورها ووجودها لأن هذا هو المبرر الوحيد أمام "إسرائيل" الذي يجعلها مستمرة بالقبول بوجود السلطة".
وبيّن قاسم أن السلطة الفلسطينية مرتبطة بمسؤوليات دولية وأمريكية وإسرائيلية ترتبط بمشروع التسوية، ففي حال توقفت السلطة عن منح أرضية التسوية المزيد من الظروف الملائمة لإتمامها مثل تشديد القبضة الأمنية ومنع العمليات ضد الاحتلال، فإنه لن يكون هناك حاجة لها.
ولفت النظر إلى أن الأحداث والمواقف السابقة أثبتت أن كافة تهديدات رئيس السلطة عباس بوقف التنسيق الأمني لم تلامس الحقيقة والواقع، إذ استمر التنسيق رغم كافة الجرائم التي ارتكبتها سلطات الاحتلال بحق الفلسطينيين.


التعليقات : 0