الاستقلال/ مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية
على ضوء العراقيل التي تقف في وجه إسرائيل في تطبيقها للاتفاق الكامل مع الفلسطينيين بما يتناسب والمعايير الضرورية لها، بلور مركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي مخططًا يتضمن الخطوات التي تتلاءم والمصالح الإسرائيلية، بحيث يسمح بالاختيار في المستقبل، حتى في غياب شريك فلسطيني للحل النهائي.
المخطط المقترح بحاجة للتوصل إلى توافقات داخلية في الجمهور الإسرائيلي، وإلى تفاهمات مع المجتمع الدولي، ومع الدول العربية البراغماتية، ومع الفلسطينيين أنفسهم، وسيعكس إصرار إسرائيل على أن تصمم بنفسها مستقبلها، ولا يقترح المخطط حلًا سياسيًا نهائيًا؛
وإنما طريقة لخلق واقع استراتيجي جيد لإسرائيل، يسمح لها بالاستحواذ على مخزون من الخيارات.
ووفق المركز، البحث المعمق في تنوع الاحتمالات التي تقف أمام إسرائيل قادنا إلى الاستنتاج بأن المخطط المقترح هو الممكن اليوم، كونه يحافظ على مصالح إسرائيل (الأمنية والاستيطانية) ويمكّن من تسخير الدعم الدولي والإقليمي، ولا يتضمن إخلاءً للمستوطنات في المستقبل القريب، ويوفر مساحة من المرونة السياسية، كما يحسّن بشكل كبير الواقع الحالي، ويكبح التوجهات الخطيرة على إسرائيل الموصوفة بالوضع القائم، والتي هي في الحقيقة منحدر يقودنا لمخاطر قومية كبيرة، ولاسيما إلى واقع الدولة الواحدة دون القدرة على الانفصال عن الفلسطينيين.
ميزة المخطط المركزية هي المبدأ المرن الذي ينتج الكثير من الليونة؛ فهو يسمح لإسرائيل بالاختيار طوال الوقت بين طرق عمل بديلة تتوافق والظروف المتغيرة في محيطها الاستراتيجي، وإليكم مبادئه:
- تقوية مكونات الأمن من خلال تقليل الاحتكاك مع السكان الفلسطينيين، والحفاظ على حرية العمل التنفيذي في جميع مناطق الضفة الغربية، والتعاون مع الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية؛ فكلما تعاونوا أكثر قلل الجيش من تحركاته التنفيذية في المناطق الفلسطينية.
- إرساء مصالح إسرائيل الأمنية والجغرافية في الضفة قبيل الاتفاقيات المستقبلية، وتحسين وضع إسرائيل الاستراتيجي في غياب تقدم سياسي، عبر إيضاح نواياها لدفع الانفصال السياسي والجغرافي عن الفلسطينيين وخلق ظروف واقع الدولتين.
- تعزيز شرعية إسرائيل ومكانتها الدولية والإقليمية من خلال التعاون الإقليمي - الأمني، والسياسي والاقتصادي - البنيوي.
- تعزيز بنية الحكم والاقتصاد الفلسطيني، ومن أجل تحقيق ذلك القيام بأعمال تدريجية (بمساعدات دولية) لتحسين أداء السلطة الفلسطينية وتوسيع صلاحياتها.
- اعتماد سياسة بناء تفصيلية في الضفة الغربية، بحيث يستمر البناء في التجمعات السكانية ويجمد البناء في المستوطنات المعزولة الموجودة في عمق المناطق، ويلغى الدعم الحكومي لتوسيعها والاستيطان فيها.
خطوات المخطط
تصرّح إسرائيل بالتزامها المبدئي بحل الدولتين وتكون مستعدة في أي وقت للدخول في مفاوضات مباشرة حول اتفاق شامل. وبالتوازي، تبدأ بتطبيق مبادئ المخطط على الأرض لدفع الانفصال عن السلطة الفلسطينية وإنهاء سيطرتها عن أغلبية السكان الفلسطينيين في الضفة، ومن أجل تحقيق الدعم الدولي للمخطط (بما في ذلك الدعم العربي) لن تستطيع إسرائيل الاكتفاء بإبداء الاستعداد لخوض المفاوضات؛ بل سيكون مطلوبًا منها تقديم تعريفات للاتفاق. في حال فشلت المفاوضات أو وصلت إلى طريق مسدود، يمكن لإسرائيل الاستمرار بدفع المخطط وتصميم واقع سياسي وأمني ومدني مستقر على مدار الوقت.
تعمل إسرائيل على إتمام الجدار الأمني، الذي يحدد مسار الانفصال ومصالح إسرائيل الجغرافية في المستقبل، وتصرح بتجميد البناء في المستوطنات المعزولة بعمق الأراضي الفلسطينية شرقي الجدار. إضافة إلى ذلك، تقرر إسرائيل أن 20% من مناطق الضفة هي أيضًا منطقة أمنية (معظمها في غور الأردن) تبقى تحت السيطرة الإسرائيلية إلى أن يُنجز اتفاق بشأن الترتيبات الأمنية المُرضية لإسرائيل ويُقام كيان فلسطيني مسؤول وفاعل.
لإسرائيل مصلحة بوجود سلطة فلسطينية فاعلة ومستقرة ومتعاونة في التقدم بقناة سياسية باتجاه حل الدولتين؛ لذلك على إسرائيل أن تتخذ الخطوات التالية لتعزيز قوة السلطة الفلسطينية.
- تسلم إسرائيل السلطة الفلسطينية صلاحيات أمنية في المنطقة (ب) تشبه تلك التي تمتلكها اليوم في المنطقة (أ)، بحيث تتخلق مساحة فلسطينية واحدة (أ + ب) تكون بنية للدولة الفلسطينية المستقبلية، بل وربما تتحول لتصبح دولة فلسطينية بحدود مؤقتة، وهذه المنطقة تمتد على ما يقارب 40% من أراضي الضفة الغربية، ويقطنها حوالي 98% من السكان الفلسطينيين.
- تخصص إسرائيل ما مقداره 25% من مناطق الضفة الغربية من المنطقة (ج) لتطوير بنى ومشاريع اقتصادية لتشجيع الاقتصاد الفلسطيني وتحويل المناطق المأهولة بالفلسطينيين المستثناة من المنطقة (ب) إلى السيطرة الفلسطينية. ونؤكد هنا على بذل مجهود متتالٍ مع المجتمع الدولي لإقامة مصانع وطاقة خضراء ومشاريع سياحية وتقنية وبناء مساكن وما شابه. في المرحلة الأولى، لن تحول إسرائيل الصلاحيات الأمنية والتخطيطية إلى الفلسطينيين في مناطق التطوير هذه، لكنها ستحول بالتدريج إلى السلطة الفلسطينية.
- في المناطق الفلسطينية، يكون هناك تواصل جغرافي، ويُقام نظام مواصلات يمتد من شمال الضفة حتى جنوبها، وبالتالي يقل الاحتكاك اليومي بالجيش الإسرائيلي وبين المستوطنين اليهود والسكان الفلسطينيين.
- تطلق خطة اقتصادية هدفها على المدى القريب تحسين مستوى معيشة الفلسطينيين، والغرض منها على المدى البعيد تشجيع الاستقلال الاقتصادي الفلسطيني، والذي سيسمح بالانفصال الاقتصادي عن إسرائيل.
هذه الخطوات ستمكّن من تأسيس بنية تحتية لكيان فلسطيني مستقل على قسم كبير من الضفة (حوالي 65% من المنطقة)، في نفس المرحلة تواصل إسرائيل السيطرة على بقية (أ) و (ب)، حوالي 10% من المنطقة ستعتبر تجمعات سكانية حيوية لإسرائيل في أي اتفاق مستقبلي مع الفلسطينيين.
تسعى إسرائيل إلى اعتراف دولي بخطواتها، وتطلب تغييرات دولية الأهم من بينها هو التعهد بدعم المخطط حتى في حال فشل مسار المفاوضات الثنائية. إضافة إلى ذلك، على إسرائيل أن تطلب تجديد التعهدات الأمريكية كما صيغت في رسالة بوش إلى شارون (2004) وإقامة نظام دولي استثنائي لتطوير الاقتصاد الفلسطيني وضمان فاعليته وتعهد السلطة الفلسطينية بمنع الإرهاب والعنف والاعتراف بالترتيبات الأمنية المطلوبة إسرائيليًا.
حل مشكلة غزة ليس جزءًا من المخطط السياسي، وليس شرطًا لتقدمه. وعلى أي حال، هناك أهمية لتركيز المجهود الدولي على تحسين الوضع الإنساني في القطاع وترميم بناه التحتية مقابل إقامة نظام دولي يعمل على إيقاف تعزز قوة حماس العسكرية وبقية التنظيمات "الإرهابية"، يجب التقدم في هذا الملف بالتوازي مع تطبيق المخطط في الضفة وبالانفصال عنه أيضًا.


التعليقات : 0