غزة/ دعاء الحطاب
ما إن تستدير عقارب الساعة نحو الثالثة عصراً، حتى يخرج الشاب فتحي أبو حسين من منزله في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، بعزيمة حديدية وروح صلبه، مستقلاً دراجته النارية، يسبق الريح كي يكون أول المتظاهرين بمسيرات العودة ومجابهة جنود الاحتلال شمال القطاع. وبالرغم من المسافات الطويلة التي يقطعها " أبو حسين" للوصول لنقطة زيكيم أو إلى حاجز " ايرز" أقصى شمال قطاع غزة، إلا أنه يُصر على المشاركة بالمسيرات مهما ابتعدت جغرافياً، للمطالبة بحقه بالعودة وكسر الحصار.
وهناك بالميدان، بهمةٍ عالية يحمل أبو حسين إطارات المركبات ( الكوشوك) برفقة الشباب نحو الخطوط الأمامية للمظاهرة، لإشعالها حتى يُغطي دخانها على المتظاهرين ويُشوش الرؤية لدى قناصات الاحتلال، قبل أن يعود لمهمة أخرى مع رفاقه.
وتنظم الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة مسيراً بحرياً قرب منطقة زيكيم كل يوم اثنين، ومظاهرات حاشدة أمام بوابة حاجز "ايرز" شمال القطاع كل يوم أربعاء، ويشارك بهما عشرات الغزيين من مختلف محافظات القطاع رفضاً للحصار " الإسرائيلي" ومطالبة بحق عودة اللاجئين إلى أراضيهم المسلوبة.
الحقوق تحتاج تضحية
ويحرص أبو حسين على المشاركة بمسيرات العودة على الحدود الشرقية والشمالية لقطاع غزة، فهي بالنسبة له تُمثل بداية الطريق نحو الأراضي الفلسطينية المحتلة ونهاية حلقات الحصار الإسرائيلي.
ويقول أبو حسين لـ"الاستقلال": "من بداية المسيرات وعدت نفسي وربي على المشاركة بفعالياتها حتى تحقيق مطالبنا بكسر الحصار والعودة، لأنه احنا تعبنا وزهقنا بطلنا نتحمل اللي بصير فينا بسبب الحصار والاحتلال، إلنا أكثر من 12سنه محاصرين لحد ما وصلنا لدرجة ما نلاقي اللقمة نطعمها لأبنائنا".
ويضيف:" مهما ابتعدت المسافات ومهما كانت الظروف لن أتراجع عن المشاركة بالمسيرات وعن مواجهة الاحتلال، حتى لو اضطر الأمر أن أذهب سيراً على الأقدام، لنا حق لازم نأخذه بالسلمية بالقوة راح نأخذه، تعبنا من السكوت".
ويتابع: "بالرغم من الأوضاع المادية الصعبة وحاجتي للمال إلا أنى أقوم بشراء الوقود للدراجة النارية بـ20شيكل في يومي الأثنين والأربعاء للمشاركة بالمسيرات شمال القطاع، وببعض الأحيان أستدين من أقاربي لتوفير ثمن الوقود أو المواصلات، وهذا لا أعتبره خطأ لأن حقوقنا بدها تضحية".
المسافات ليست عائقاً
وعلى شاطئ بحر الشمال وبالقرب من موقع" زكيم" العسكري شمال القطاع، تقترب القوارب الفلسطينية المشاركة من الحدود البحرية، ويُشعل الشبان الإطارات المطاطية ويضعونها على ألواح من الخشب ويُطلقونها في البحر، وفي الجهة الأخرى جنود وطرادات إسرائيلية تُطلق الرصاص وقنابل الغاز بكثافة على المتظاهرين.
أما على رمال البحر، يقسم الشبان أنفسهم إلى وحدات، فبعضهم يشعل "الكوشوك" وبعضهم ينشغل بإلقاء الحجارة على جنود الاحتلال، وآخرون يحاولون إعادة قنابل الغاز تجاه الجنود الذين أطلقوها، وآخرون يُحاولون اجتياز السلك الفاصل.
مؤمن أبو لبدة، أحد الشباب الذين آمنوا بالدوافع الوطنية، وحملوها باستمرار في طريق ذهابهم وعودتهم من فعاليات مسيرة العودة الكبرى وفك الحصار، التي يشاركون بها اسبوعياً في المناطق الحدودية شمال القطاع .
فأبو لبدة الذي يقطع عشرات الكيلومترات من محافظة رفح جنوباً وصولاً لأقصى شمال القطاع، لم تمنعه بعد المسافات ولا ضيق الحال من المشاركة والمساهمة في إنجاح فعاليات مسيرات العودة.
ويقول أبو لبده لـ"الاستقلال":" كل جمعه بشارك بالمسيرات على حدود رفح أنا وعشرات المواطنين، وكذلك في المسيرات عند زيكيم وكذلك على معبر بيت حانون، نتعرض للموت بكافة أشكاله سواء قنابل الغاز أو الرصاص الحي، لكننا لم نهتم له ولم يمنعنا من المشاركة، فهل يُعقل أن تمنعنا بعد المسافات من المشاركة؟".
وبين أن ارادة الشعب الفلسطيني الذي هُجر عن أرضه 70عاماً ولم ينساها، ويعيش تحت الحصار منذ أكثر من (12عاما) ومازال صامداً، ويواجه الموت والاصابة من جيش الاحتلال، لن تتوقف حتى يُحقق مراده، معتبراً قطعه مسافات طويلة من أجل المشاركة مع أبناء شعبه واجباً وطنياً وضرورةً للضغط على الاحتلال لكسر الحصار.
وأنهى حديثة قائلا: "كل شخص فينا طلع وهو عارف إنه مصيره إما الشهادة أو الإصابة، لكن ذلك أحب إلينا من أن نبقى جالسين في بيوتنا نراقب ما يدور حولنا دون ابداء أي ردة فعل، حتى نصل لمرحلة أن يأتي الاحتلال ويهدم البيوت فوق رؤوسنا"، موجهاً رسالة للاحتلال مفادها:" الحق لابد أن يعود لأصحابه، ونحن لن نتراجع حتى نأخذها كاملة دون نقص".


التعليقات : 0