الدغمة".. شهيد أصاب العدو في كبريائه

الدغمة
مقاومة

 

شقيق الشهداء لحق بهم

غزة/ دعاء الحطاب

هناك داخل" بيت قادة المهمات الصعبة"، نسوةٌ يبكين من ألم الفراق وصدمة اللحظة التي لم يتوقعن حدوثها رغم الحقيقة السوداء في بيتٍ خيم الحزن على أرجائه، وقلب أمٌ يتقطع وينفطر ألماً على رحيل فلذة كبدها، وصرخات أخوات فقدن سندهن الفذ، وصياح أطفال رأوا به بطلاً يُنفذ أحلامهم، جميعهم ينتظرون اطلالة قمر الشهيد. 

 

وبمجرد دخول جثمان الشهيد عبد الله الدغمة إلى منزل عائلته، انفض الجالسون من أماكنهم وافسحوا الطريق أمام والدة الشهيد، حيث تقدم المشيعون بالجثمان، ووضعوه أمامها، للتقدم الأم المكلومة ناحية جسد ابنها المسجى أماما، وأطالت النظر الى وجهه الناضر، ثم طبعت قبلة الوداع على جبينه.

 

أعادت الأم النظر لوجه ابنها، ثم اقتربت منه، وهمست في أذنه، محملة إياه السلام لشقيقيه الشهيدين سليمان وبسام، معاهدة اياهم  الصبر على فراقهم، وأن موعدهم الجنة التي وعد الله الشهداء والصابرين.

 

مشهدٌ مؤلم حد القهر يتكرر للمرة الثالثة مع والدة الشهيد عبد الله الدغمة، ففي المرة الأولي ودعت نجلها "سليمان" مهندس ومنفذ عملية كوسفيم بتاريخ 3/9/2002، وفي تاريخ 13/8/2010 ودعت نجلها الثاني "بسام" مهندس ومنفذ عملية استدراج الاغبياء، واليوم تودع  نجلها " عبد الله" أحد أعضاء وحدة الكوشوك بمسيرات العودة.

 

وارتقي الدغمة (25عاما) شهيداً، الجمعة الماضية، عقب اصابته برصاص الاحتلال الإسرائيلي في رأسه، شرق خانيونس جنوب قطاع غزة، خلال مشاركته في الجمعة التاسعة والعشرين " انتفاضة القدس" من مسيرة العودة وكسر الحصار السلمية.

 

فاجعة الاستشهاد

 

كانت الشمس قد شارفت على المغيب عندما سمعت العائلة أصوات هتافات تصدح من حناجر أصدقاء الشهيد، تُعلن خبر استشهاد عبد الله، لتكون بمثابة صدمة فجعت قلوب أحبائه، لكنه في الوقت ذاته كان موعداً لإقامة العرس الذي سيُزف به عبد الله شهيداً إلى جنان الخالد بجوار أخوية الشهيدين، والذي طالما انتظره هو وحدث به أحباءه.

 

يقول والد الشهيد عبد الله، بألم يعتصر قلبه:" يوم الجمعة عاد عبد الله من الصلاة كغير عادته منذ بداية مسيرات العودة، سألته مالك راجع؟ جاوبني" بدي أتغدى معكم بعدين أطلع ع المسيرة"، فتناول معنا الغداء وأخذ يُمازح الجميع ويحتضن أطفال خاله ويُلاعبهم، ثم قبل يدي أمه وخرج للمسيرة". 

 

وأردف الوالد خلال حديثة لـ"الاستقلال":" بعد خروج عبد الله شعرت بشيء غريب لكن لم أعرف سببه، وبعد ساعات بدأ قلق شديد يُسيطر على والدته وطلبت مني أن اتصل به ليعود للبيت، لكنى لم أفعل وأخبرتها أن عبد الله سيعود كما كل مره لا تقلقي، وحينها سمعت أصوات على باب المنزل ففتحت الباب فإذا بأصدقائه يُعلموني باستشهاده".

 

ويتابع:" خبر استشهاد عبد الله كان صدمة وفاجعة لنا، فألم فراقه لن يكون أقل من أخويه اللذين سبقاه، لكن بنفس الوقت كان عرساً وفرحة لنا، فقد نال الشهادة التي تمناها ورفع راسنا"، مؤكداً أن ايمانه بالله والقضية الفلسطينية منحه الصبر على فراق أبنائه الثلاثة، وفي كل مره يستشهد بها أحدهم يزداد اصراراً على التضحية.

 

"حرفع راسكم"

 

قمر الشهيد " عبد الله" لم يغب عن مسيرات العودة الكبرى وكسر الحصار لجمعةً واحدة، فقد ترجل فارساً في الميدان وتقدم صفوف المتظاهرين على مدار الأشهر الماضية، تارةً يُشعل الإطارات المطاطية " الكوشوك" محاولاً حماية المتظاهرين من قناصة الاحتلال، وتارةً أخرى يتسلل داخل السياج الفاصل ليُثير غضب جنود الاحتلال المختبئين  خلف السواتر الرملية.

 

وأثناء فعاليات جمعة" انتفاضة القدس" تسلل عبد الله لداخل السياج الأمني، واشتبك مع أحد الجنود بالأيدي حتى تمكن من سحبه لمسافة تبعد عشرة أمتار خارج السياج، حتي باغتته رصاصة قناص إسرائيلي أسقطته شهيداً على الفور.

 

بنبرة فخر وعزه، أضاف الوالد:" عبد الله كان دايما يوعدني انه يرفع راسي زي أشقائه، والحمد الله رفع راسي لما اشتبك مع الجندي من نقطة الصفر بدون ما يحمل سلاح، وقدر يسحبه 10 متر خارج السياج، وهاد بحد ذاته فخر ونصر كبير اله ولنا".

 

وأوضح بابتسامة حزينة:" بكل دقيقة كانت تمر من مسيرات العودة كنت أتوقع أن يعود عبد الله محمولاً على الاكتاف، لأنه كان يتمنى الشهادة كثيراً لكونها تزيد الانسان شرفاً وتقديراً. المال والبنون زينة الحياة الدنيا وتزيد الانسان فرحاً وسرواً"، داعياً الله أن يمنحه المزيد من الصبر والصمود.

 

وفي نهاية حديثة، استذكر الوالد وصيته لابنه الشهيد منذ انطلاق مسيرات العودة، قائلاً:" أول يوم بمسيرات العودة طلع عبد الله عشان يشارك، قلت له اذا بدك تروح على الحدود ما ترمي حجر وتشرد، يا بتروح عشان تعمل حاجة ترفع راسنا وراس بلدك يا ضللك بالبيت"، مستدركاً:" الحمد الله رفع راسي ونفذ وصيتي". 

 

الوداع الأخير

 

وفي يوم الوداع الأخير، تبقي حرقة القلب بعد صدمة الفراق وحدها من تلازم أهل الشهيد، وتبردها الدموع، لعلها تكون المواساة الأخيرة لهم، ولعل عزاءهم الوحيد أنه سيكون مقامه جنات الفردوس.

 

وانطلق موكب التشيع بمشاركة عشرات الالاف من المواطنين من المستشفى إلى منزل العائلة  ببلدة عبسان الجديدة شرق محافظة خانيونس ، لإلقاء نظره الوداع الأخير عليه، قبل مواراة جثمانه الثرى بمقبرة الشهداء.

 

وردد المشيعون هتافات تطالب المقاومة بالرد على جرائم الاحتلال، وشعارات تطالب باستمرارية مسيرات العودة حتى تحقيق أهدافها.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق