غزة/ سماح المبحوح
يخرج المزارع عبد المهيمن «عسعوس» عند بزوغ ساعات الفجر الأولى، قاطعاً مسافات طويلة، مشياً على الأقدام، وصولا إلى حقول الزيتون التي يعمل بها في قرية بورين جنوب نابلس بالضفة الغربية المحتلة، استعداداً لحصادها، قبل أن تمتد إليها أيادي المستوطنين وتستولي عليه، و تعتدي عليه بقوة الترهيب؛ لتمنعه من قطفها كما تفعل كل عام.
وعلى الرغم من حرص المزارع « عسعوس» المجيء في ساعات الصباح الأولى، إلا أنه لم يفلت من اعتداءات المستوطنين، التي طالته وعدد من المتضامنين الأجانب، الذين تواجدوا لمساعدته في قطف ثمار الزيتون. واعتداءات المستوطنين المتكررة ضد المزارعين باتت تشكل هاجساً بالنسبة للمزارع « عسعوس « وغيره ممن يمتلكون أشجار زيتون في قرية بورين ما يدفعهم لمسابقة الزمن لقطف ثمارها قبل سرقتها من قبل المستوطنين.
وتحيط بقرية بورين مستوطنة جفعات رونين" ومستوطنة "يتسهار" التي أقيمت على جزء من أراضي بورين الجنوبية ، أما في المنطقة الشمالية أقيمت مستوطنة " براخا "، كما يمر عبر أراضيها شارع استيطاني ، الأمر الذي يجعل أشجار الزيتون وأصحابها عرضة لاعتداءات المستوطنين .
اعتداءات متواصلة
وأوضح المزارع " عسعوس " أنه تعرض على مدار الأيام السابقة، أثناء قطفه لمحصول الزيتون في أراضي يعمل بها ، لاعتداءات متكررة من قبل مجموعات تطلق على نفسها " التلاتل " و " الرداء الأبيض " و " تدفيع الثمن" ، كادت أن تودي بحياته.
وقال :" إن القذف بالحجارة والضرب المبرح و إلقاء الزجاجات الحارقة، هي أبرز الاعتداءات التي تعرضنا لها خلال الأيام الماضية ، برفقة عدد من المتضامنين الأجانب الذين يتواجدون معنا كل عام خلال موسم قطف شجر الزيتون ، كي يوفروا لنا الحماية ، لكن دون فائدة فالاعتداءات متواصلة".
وأشار أنه يحتاج إلى حوالي شهر كامل لجنى قرابة 2000 شجرة زيتون ، ويعمل يومياً على قطع قرابة ( 5 كم ) صولا للأراضي التي سيجنيها خلال الموسم الحالي ، معبراً عن مخاوفه أثناء رحلة ذهابه إلى الأراضي وتواجده فيها وعودته منها .
ويشكل موسم قطف أشجار الزيتون ، عنصراً أساسياً وهاماً في اقتصاد العائلات الفلسطينية ، ونتيجة لذلك فإن المستوطنين يرتكبون جرائمهم ، بهدف ضرب ما تبقى من اقتصاد هش و ضعيف.
سنبقى صامدين
المزارع أيمن صوفان من ذات القرية "بورين" لم يسلم هو الآخر وعائلته من اعتداءات المستوطنين عليهم يوم السبت الماضي ، أثناء قطفهم أشجار الزيتون في أراضيهم .
وأوضح صوفان لـ"الاستقلال" أنه اعتاد منذ بدء موسم قطف الزيتون مطلع أكتوبر / تشرين الأول الجاري ، التواجد مع عائلته في أراضيهم البالغة حوالي 8 دونمات ؛ لجنى ثمار أشجار الزيتون التي يمتلكونها ، استعدادا لعصر جزء منها وطرحه للبيع .
وقال : " تفاجأت وعائلتي صباح يوم السبت الماضي ، ونحن منهمكين في جني حبات الزيتون بقدوم قرابة عشرة مستوطنين ، بدؤوا بالصراخ علينا بالرحيل وترك ما بين أيديهم من زيتون ، إلا أنني وعائلتي لم نرضخ لأوامرهم ، وأكملنا القطف ".
وأضاف :"لحظات وأصبح المكان أشبه بمجزرة، إذ تحول المستوطنون لوحوش يقذفوننا بالحجارة ويضربونا بأعقاب البنادق، وسط الدماء وصراخ الأطفال، دون أدنى محاسبة على أفعالهم وخاصة ان جنود الاحتلال يوفرون الحماية لهم خلال اعتداءاتهم المستمرة".
و تابع حديثه : " أصبت برضوض بيدي كما أصيبت زوجتي بكسور في قدمها ، أثناء محاولتنا الهرب من اعتداء المستوطنين علينا ، الذين لم يتوانوا لحظة في قذفنا بالحجارة وضربنا بأقدامهم " .
وشدد على أنه بالرغم من اعتداءات المستوطنين عليه و على عائلته ، إلا أنهم مصرون على المجيء لأراضيهم لقطف ثمار الزيتون ، والتمسك بأحقيتهم فيها وعدم الاستسلام للمستوطنين الذين يحاولون سرقتها والاستيلاء عليها .
سياسة ممنهجة
مسئول ملف الاستيطان شمال الضفة الغربية غسان دغلس أكد أن اعتداءات المستوطنين على المزارعين بقرية " بورين " تزداد يوما بعد الآخر ، لافتا إلى أن الاعتداءات تتم بشكل منظم من قبل مؤسسات ومجموعات صهيونية .
وأوضح دغلس لـ"الاستقلال " أن مجموعات " تدفيع الثمن " تعمد إلى ترويع وترهيب المزارعين في قرية " بورين " والقرى المجاورة أثناء تواجدهم بأراضيهم ، من خلال حرق الأشجار واقتلاعها ورشها بالمبيدات الكيماوية السامة، وكذلك نثر محصول الزيتون على الأرض ، و سرقة المعدات المستخدمة بقطف الزيتون ، و أيضا تمنعهم من الوصول إلى أراضيهم في كثير من الأحيان.
وشدد على أن اعتداءات عصابات المستوطنين المنظمة ، تأتي ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى تهجير وطرد الفلسطينيين من أراضيهم بهدف الاستيلاء عليها وسرقتها؛ لبناء مشاريعهم الاستيطانية .
ولفت إلى أنه خلال الأيام القليلة الماضية ، نفذت مجموعات المستوطنين قرابة 20 اعتداء على مختلف القرى بالضفة الغربية من بينها قرية بورين، مبينا أن غالبية الاعتداءات تتم بحماية جنود الاحتلال الإسرائيلي .
وأشار الى أن قوات الاحتلال الإسرائيلي حرمت يوم السبت مجموعة قرابة 50 عائلة من بلدة كفر ثلث جنوب شرق مدينة قلقيلية شمال الضفة الغربية المحتلة ، من الوصول إلى أراضيهم المحاذية لمستوطنة "ألفي منشى"، بعد أن أغلقت البوابات الزراعية المؤدية إلى أراضيهم.
ولضمان توفير الدعم والمساندة للمزارعين وتعزيز صمودهم في أراضيهم رغم اعتداءات المستوطنين ، تقوم بعض المؤسسات بإطلاق حملات لمساعدة المزارعين بقطف زيتونهم .
إذ دعت القوى الوطنية والإسلامية ، في بيان لها ، الكل الفلسطيني لتكثيف الجهود وحماية موسم الزيتون من اعتداءات المستوطنين .
كما أطلقت الإغاثة الزراعية الفلسطينية بالتعاون مع الحملة الشعبية لمقاومة الجدار وجمعية المهندسين الزراعيين الفلسطينيين وشبيبة حزب الشعب الفلسطيني ، حملة " احنا معكم" لمساعدة المزارعين في قطف زيتونهم ، ومؤازرتهم في معركة البقاء على الأرض.
وتم إطلاق الحملة من محافظة سلفيت ، بمشاركة عشرات المتطوعين المحليين ، والأجانب الذين جاؤوا من فرنسا وسويسرا واسكتلندا وعدة دول أخرى ، حيث توجهوا نحو الأراضي الواقعة إلى الشمال من سلفيت والمحاذية لمستوطنة " ارئيل " وداخل السياج المحيط بالمستوطنة.


التعليقات : 0