الاستقلال/ دعاء الحطاب
لم تمنعه حرارة الشمس الساطعة في ظهيرة اليوم الرابع عشر من شهر رمضان، من الخروج إلى خطوط المواجهة والالتحام مع العدو على الحدود الشرقية لقطاع غزة، صادحاً بصوت أبناء شعبه القابعين تحت براثن الحصار "أنقذوا الإنسان"، على أمل أن يشكل تواجده هو وبقية رفاقه ومضة تلفت الضمير الدولي والإنساني لمعاناة ما يزيد عن مليوني فلسطيني محاصرين في القطاع منذ ما يزيد عن 11 عاماً.
المجاهد عائد خميس جمعة (22 عاماً)، أحد مجاهدي الوحدة الخاصة لسرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، اختار الطريق الذي سيوصله إلى أسمى ما كان يتمنى، فترجل مقاوماً ليلقى ربه شهيداً في سبيل الوطن، مساء يوم الجمعة الماضي إثر إصابته في المواجهات مع العدو الصهيوني شرق جباليا البلد شمال القطاع، محققاً أمنية طالما أفصح عنها لأشقائه والمقربين منه وهو الموت في سبيل الله والوطن".
وزفت سرايا القدس، شهيدها المجاهد إلى الحور العين، مؤكدةً على أن دماء الشهداء لن تذهب هدراً وستكون لعنة تطارد المحتل في كل مكان، وأن العدو سيكتوي بنار جرائمه المتواصلة في قطاع غزة، مٌشددة على مواصلة نهج الجهاد والمقاومة حتى النصر وتحرير كامل فلسطين الحبيبة.
وتأتي المواجهات، التي تندلع بشكل يومي في نقاط التماس على الحدود الشرقية لقطاع غزة، ضمن مسيرات "نذير الغضب" التي دعت لها هيئة الحراك الوطني رفضاً للحصار الإسرائيلي المشدد على القطاع.
موعد مع الشهادة
كانت الشمس قد شارفت على المغيب عندما سمعت العائلة أصوات هتافاتٍ تصدح من حناجر أبناء الحي الذين كانوا برفقة الشهيد، تعلن خبر استشهاد عائد ليكون بمثابة صدمة أصابت قلوب أحبائه، لكنه في الوقت ذاته كان موعداً لإقامة العرس الذي سيزف به عائد شهيداً إلى جنان الخلد، والذي طالما انتظره هو وأحباؤه.
ويقول والد الشهيد عائد جمعة، والألم يعتصر قلبه: "في ظهر يوم الجمعة خرج عائد إلى السوق كعادته كل يوم في رمضان، أحضر احتياجات البيت والقطايف التي اعتادت العائلة أن تأكلها من تحت يديه، وقبل يدي أمه وقال لها: "اليوم حعملك ألذ قطايف من ايدي"، ثم خرج لزيارة قبر والد صديقه في المقبرة الشرقية".
ويروي جمعة تفاصيل استشهاد نجله قائلاً: "أثناء تواجد عائد بالمقبرة الشرقية اشتدت المواجهات بين الشباب وقوات الاحتلال، فلم يستطع أن يرى أبناء شعبه يتصدون للاحتلال ويبقي مكتوف الأيدي، فشاركهم بالمواجهات لتصيبه رصاصة في مقدمة رأسه أرتقى على أثرها شهيداً على الفور"، مشيراً إلى أنه لم يكن يعلم أن نجله سيشارك في المواجهات لكنه توقع ذلك كونه مقاوماً ويشارك دائما بجميع الأحداث.
استشهاد منتظر
ويتابع بابتسامة حزينة: " عائد كان ينتظر الشهادة بشغف ويتمنى اللحاق بموكب الشهداء، وكان دائماً يردد كلمة سأكون شهيداً يوما ما، كون الشهادة الشرف الأعظم الذي يمنحه الله لمن أراد من عبيده"، موضحاً أنه في الفترة الأخيرة كان يتوقع بكل لحظة خبر استشهاد نجله، لأن شوقه للشهادة ازداد وأصبح يشارك بأنشطة المقاومة ضد الاحتلال والمواجهات بشكل مكثف، لكن ما لم يتوقعه أن يأتي خبر استشهاده بهذه السرعة وأن يصبح التمني حقيقة.
نيل عائد شرف الشهادة التي طالما تمناها وسعى إليها، لم ينسَ والده ألم فراقه فمهما كان قلب الأب وطنياً لا يقول أهلاً بالفراق.
يوضح جمعة، أن استشهاد نجله ترك ألماً كبيراً في قلبه وقلب أحبائه، وترك فراغا لا يمكن أن يملأه أحد من بعده، وعزاؤه الوحيد أن نجله حقق حلمه بالشهادة وهو صائم في يوم جمعة في منتصف الشهر الفضيل، مؤكداً أن ايمانه بالله والقضية الفلسطينية منحه الصبر على فراقه وجعله يصر أكثر على التضحية بكل ما يملك والمقاومة في سبيل الله والوطن.
الوداع الأخير
لازالت آخر ابتسامة أشرقت على وجه "عائد" تداعب خيال والده الذي يراه في كل زوايا منزله الصغير، فهنا مازحه عائد وهنا ركض ولعب إلى أن شب بين يديه وأصبح محبوبه الأقرب إلى قلبه ولقبه "بفاكهة البيت".
ويستذكر جمعة، آخر ساعة لابنه في المنزل قائلاً: "كان عائد قبل خروجه مع صديقه يرتدي أجمل الملابس وتعطر وكأنه عريس، وقبل دقائق من موعد الذهاب جلس معنا وأخذ يضحك ويمزح مع الجميع كعادته ويوصينا بالدعاء له، ومن ثم قبل يدي والدته وابتسم لنا وخرج".
ويصف جمعة، ابنه بأنه أحب أبنائه إلى قلبه، فقد كان طيب القلب بشوش الوجه، باراً بوالديه محباً لإخوانه حنوناً عليهم، يحب فعل الخير ومساعدة المحتاجين، ويتصف بالإنسانية العالية، وكان طموحاً يسعى وراء هدفه ومحبوباً من الجميع.
موكب التشيع
وداخل المسجد العمري الكبير بمدينة جباليا، أقيمت صلاة الجنازة على الشهيد عائد جمعة، حيث وقف الوالد أمام جثمان ابنه ليلقي عليه نظرة الوداع ويقبله، والدموع تنهمر من عينيه ويتمتم بكلمات: "الله يرضي عليك رفعت راسي".
وشارك في موكب التشيع المهيب الذي انطلق بعد صلاة التراويح من المسجد العمري وصولاً إلى مقبرة الفالوجا، قادة وكوادر حركة الجهاد الإسلامي وذراعها العسكري سرايا القدس وقادة الفصائل الفلسطينية وجماهير شعبنا الفلسطيني ومقاتلو السرايا الذين حملوا جثمان الشهيد على الأكتاف وجابوا به شوارع البلدة، وسط صيحات التكبير وتجديد العهد والبيعة مع الله عز وجل على مواصلة طريق الجهاد والمقاومة والسير على خطى الشهداء.


التعليقات : 0