غزة / محمود عمر
اكتسبت الجمعة الأخيرة لمسيرة العودة وكسر الحصار، زخمًا شعبياً استثنائياً بمشاركة عشرات آلاف المتظاهرين على طول الحدود الشرقية لقطاع غزة، كونها جاءت بعد تهديدات إسرائيلية وتلويح بتصعيد العدوان ضد القطاع، في رسالة شعبية إلى دولة الاحتلال تفيد بعدم الخضوع لهذه التهديدات وتحدي محاولاته بالتخويف والإرهاب لمنع التظاهرات السلمية المطالبة بحقوق عادلة.
ونشر جيش الاحتلال، قوات كبيرة ودبابات على امتداد السياج الأمني الفاصل مع قطاع غزة وبمحاذاة عدد من التجمعات السكنية المحيطة بالقطاع، بعد سلسة من التصريحات التي حملت نبرة التهديد والوعيد للمتظاهرين.
وأصيب خلال مسيرة العودة الجمعة الماضية 130 مواطناً بالرصاص الحي بينهم 25 طفلًا وأربعة من الطواقم الطبية والصحفية؛ جراء قمع قوات الاحتلال المتظاهرين على الحدود الشرقية للقطاع، دون تسجيل أي شهداء.
وحملت الجمعة الثلاثين من مسيرة العودة التي انطلقت في 30 مارس/ آذار الماضي اسم "معاً.. غزة تنتفض والضفة تلتحم".
ومساء الخميس الماضي، بثت سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي وكتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس، رسالتين مصورتين إلى الاحتلال تحذرانه من ارتكاب أي حماقة ضد المتظاهرين، الأمر الذي ساهم في تشكيل حالة من الردع لحكومة الاحتلال.
وكان خالد البطش، المنسق العام للهيئة الوطنية العليا لمسيرة العودة وكسر الحصار، دعا جماهير شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية والخان الأحمر للمشاركة الواسعة في جمعة "معا غزة تنتفض والضفة تلتحم".
وشدد البطش في بيان صحفي سابق، على أهمية الحفاظ على سلمية المسيرات وشعبيتها وأدواتها "رافعةً للنهوض الوطني"، داعيا المشاركين لاتخاذ جميع التدابير التي تمنع الفرصة وتفوتها على قناصة الاحتلال "الإسرائيلي" في النيل من المشاركين السلميين، مشيرا إلى أن الرسالة الأهم هي احتشاد الجماهير سلميًّا وشعبيًّا.
وحذر البطش الاحتلال الإسرائيلي من مغبة التمادي في ارتكاب الجرائم بحق المشاركين في مسيرة العودة وكسر الحصار، مشددًا على أن مسيرات العودة وكسر الحصار مستمرة حتى تحقق أهدافها التي انطلقت لأجلها.
واعتبر عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي د. يوسف الحساينة: في تصريح له، أن تهديدات حكومة نتنياهو الصهيونية، محاولات بائسة للالتفاف على مسيرات العودة وعلى الجهد النضالي الذي يقوم به شعبنا الفلسطيني في محاولة لدفعه على التراجع عن خياراته، مشدداً على أن هذه التهديدات لن تخيف شعبنا بل ستزيده وتدفعه للانخراط والتمسك أكثر في مسيرات العودة الشعبية حتى تحقق كافة الأهداف الوطنية.
وقال " نحن ندرك أن الاحتلال لا يحتاج مبررات فهو سريعا ما ينتج من المبررات ويسوقها من أجل الاعتداء على شعبنا" مشيراً إلى أن ما يردع الاحتلال هو أن يبقى الشعب الفلسطيني حياً ويحتضن المقاومة والتي ستأخذ على عاتقها لجم الاحتلال وردعه والرد على جرائمه وإيذاءه في جبهته الداخلية دفاعاً عن شعبنا.
رسائل المقاومة
ويرى المحلل السياسي طلال عوكل، أن الرسالتين العسكريتين اللتين نشرتهما سرايا القدس وكتائب القسام، مساء الخميس الماضي، شكلتا رادعا للاحتلال وحماية للمتظاهرين.
وقال عوكل لـ"الاستقلال": "كانت نوايا الاحتلال واضحة، أن الاستهداف سيكون كبيراً على حدود غزة، وكان لابد من المقاومة أن تبث الطمأنينة في نفوس المتظاهرين من خلال تحذير الاحتلال من مغبة ارتكاب أي حماقة على حدود غزة".
وأوضح أن الرسالتين العسكريتين انعكستا إيجاباً على روح المتظاهرين الذين شاركوا بقوة في مسيرات العودة، واندفعوا باتجاه الحدود غير آبهين بكل تهديدات الاحتلال لثقتهم في المقاومة.
ولفت عوكل النظر إلى أن الاحتلال الإسرائيلي لمس بشكل جدي استعداد المقاومة لخوض حرب جديدة في حال ارتكب مجزرة في حق المتظاهرين على غرار المجزرة التي جرت في 14 مايو الماضي خلال ذكرى يوم النكبة الفلسطينية.
وأضاف: "إن المتظاهرين احتشدوا بالألاف على الحدود مع الداخل المحتل على بعد مسافة مئات الأمتار من حشودات الاحتلال العسكرية التي كانت مشهداً لتشكيل رسالة رادعة للمقاومة وللمتظاهرين، إلا أن هذه الرسالة انعكست سلباً على الاحتلال من خلال الحشودات الشعبية على حدود غزة".
مرحلة الزخم والتمدد
فيما رأى استاذ العلوم السياسية في الجامعة الإسلامية بغزة، وليد المدلل، أن المشاركة الجماهيرية الواسعة في مسيرة العودة أول من أمس، أكدت أن هذه المسيرات لا تزال في مرحلة الزخم والتمدد والاتساع، مشيراً إلى أن المشهد كان رداً على المشككين والمروجين بأن المسيرات في طور الاندثار.
وقال المدلل لـ"الاستقلال": "كافة وسائل ورسائل وأساليب الاحتلال لقمع هذه المسيرات منذ انطلاقتها لم تفلح في ذلك، حتى التهديد بشن حرب موسعة على القطاع لم يشكل رادعاً للمتظاهرين الذين ازداد عددهم جمعة بعد جمعة".
وأضاف: "إن مسيرة العودة استمرت في ظل ظروف قاهرة، وتبنٍ فصائلي، إذ أن الشعب يعيش في حياة اقتصادية واجتماعية سيئة للغاية بسبب البطالة والفقر وانسداد أي أفق سياسي لحل الصراع ولاستعادة حقوقهم الوطنية، فيما تبنت الفصائل هذه المسيرات وبات قادتها يشاركون المتظاهرين في كافة فعالياتهم".
وتابع المدلل: "بالإضافة إلى ما سبق، يجب الإشارة إلى أن حفاظ هذه المسيرة على سلميتها ساهم بشكل كبير في تمدد أعداد المتظاهرين، فلو تحولت إلى عسكرية لكانت النهائية، لأن هذه المسيرة هي الطابع الشعبي لمقاومة هذا المحتل، وإن كانت تنفصل شكلاً عن المقاومة العسكرية إلا أنها تحمل ذات الهدف وهو دحر الاحتلال".


التعليقات : 0